حجيرة يقود ثورة هادئة في الموانئ: من الورق إلى الرقمنة، ومن الإنتظار إلى الإنسيابية

سفيان بلفطناسيمنذ 8 دقائقآخر تحديث :
حجيرة يقود ثورة هادئة في الموانئ: من الورق إلى الرقمنة، ومن الإنتظار إلى الإنسيابية

يرقمن المغرب من الدار البيضاء تجارته الخارجية ويُطلق سرعة جديدة للصادرات

 

عبد الرحيم باريج

في مقر الوكالة الوطنية للموانئ بالدار البيضاء، حيث تُصنع كل يوم حكاية المغرب مع العالم، لم يكن اللقاء الذي ترأسه الوزير المنتدب المكلف بالتجارة الخارجية د.عمر حجيرة، لقاءً بروتوكولياً عابراً، بل كان لحظة مفصلية في مسار بناء مغربٍ تصديري جديد، مغربٍ سريع رقمي منفتح لا ينتظر السفن، بل يستبقها.
بحضور المدير العام للوكالة الوطنية للموانئ، والمدير العام لشركة “بورتنيت”، وممثل مجموعة طنجة المتوسط، ورئيسة الكونفدرالية المغربية للمصدرين، وممثلين عن الإتحاد العام لمقاولات المغرب، إلى جانب عدد من مهنيي القطاع، اجتمع كل من يملك مفتاحاً من مفاتيح التجارة الخارجية المغربية حول طاولة واحدة. وكانت الرسالة واضحة، لم يعد مقبولاً أن تتعطل حاوية، أو تتأخر وثيقة، أو يضيع مُصدّر مغربي بين الإدارات.

الرقمنة ليست شعاراً بل قرار سيادي

شكّل اللقاء مناسبة لتقييم مدى تقدم الأوراش المرتبطة برقمنة التجارة الخارجية، في إطار تنفيذ برنامج التجارة الخارجية 2025-2027، وهي الأوراش التي يعتبرها الوزير حجيرة قلب الإصلاح، لا هامشه.
كانت ثلاث منصات في صلب النقاش، وكل واحدة منها تروي فصلاً من فصول التحول، أولاً البوابة المغربية لتوحيد إجراءات التجارة الخارجية، بوابة واحدة، مسار واحد، لغة واحدة بين الإدارات. نهاية زمن التنقل بين المكاتب، وبداية زمن النقرة الواحدة. فحين تتوحد الإجراءات، تتوحد الرؤية، ويصبح المُصدّر المغربي أمام إدارة واحدة، لا أمام متاهة.
ثانياً، المنصة الرقمية “POWER EXPORT” ليست مجرد منصة معلومات، بل رفيق طريق للمقاولة المصدرة. مواكبة، توجيه، تتبع، وفتح أبواب الأسواق. إنها الذراع الرقمية التي تضع المقاولة الصغرى في بني ملال أو وجدة أو أكادير، على نفس خط الإنطلاق مع المقاولة الكبرى في الدار البيضاء وطنجة.
وثالثاً،منصة “TijarIA.ma”
حين يدخل الذكاء الإصطناعي إلى خدمة التجارة، يتغير كل شيء. معلومة أدق، قرار أسرع، مخاطرة أقل. TijarIA ليست ترفاً تكنولوجياً، بل أداة سيادية لفهم الأسواق، واستباق الطلب، وترشيد الإستيراد.
ويضع حجيرة التجارة الخارجية المغربية بهذه الأوراش الثلاثة، على سكة القرن الحادي والعشرين، حيث لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من موانئ فقط، بل بما تملكه من سرعة في تدبيرها.

الإستماع قبل القرار

ما يميّز منهجية الوزير حجيرة، أنه لا يأتي إلى المهنيين ليُملي عليهم، بل ليستمع إليهم. وأتاح اللقاء فرصة حقيقية للإستماع إلى انشغالات المهنيين ومقترحاتهم الرامية إلى تسهيل المبادلات التجارية، وتسريع معالجة عمليات استيراد المواد الأولية ومكونات الإنتاج، وتحسين التنسيق بين الإدارات، وتعزيز الخدمات والبنيات التحتية المينائية.
وتكمن هنا فلسفة الرجل، المُصدّر ليس رقماً في إحصاء، بل شريكاً في القرار. والمقاولة التي تنتظر موادها الأولية في الميناء، هي مصنع ينتظر، وعامل ينتظر، وصفقة تصدير قد تضيع. ولذلك كان الإصرار على تسريع معالجة عمليات الإستيراد، ليس تسهيلاً إدارياً فحسب، بل حماية للإنتاج الوطني، ولفرص الشغل، ولتنافسية “صُنع في المغرب”.

رؤية لا تتوقف من 2025-2027 إلى 2027-2031

أكد الوزير خلال هذا اللقاء على ضرورة تسريع وتيرة إنجاز الأوراش المبرمجة واستكمالها، وضمان استمراريتها وتطويرها في إطار برنامج التجارة الخارجية 2027-2031.
وتلخّص هذه الجملة وحدها الفرق بين تدبير عابر ورؤية دولة. ولا يفكر حجيرة في حصيلة عام، بل في مسار عقد. لا يبني مشروعاً ينتهي بانتهاء ولاية، بل يبني منظومة تستمر، وتتطور، وتتراكم.
والهدف واضح، ومحدد، وطموح، تعزيز الصادرات الوطنية وترشيد الواردات وتشجيع الإنتاج المحلي، مع مراعاة الخصوصيات القطاعية والجهوية وتعزيز التنمية الترابية.
يُعتبر مثلث السيادة الاقتصادية، هو أن “نصدّر أكثر مما نستورد، ننتج هنا ما كنا نستورده من هناك، وننمي كل جهات المملكة بعدالة، من طنجة إلى الداخلة، ومن وجدة إلى أكادير. لا مركزية في التصدير، ولا تهميش في التنمية”.

انسجام مع التوجيهات الملكية السامية

لم يكن هذا اللقاء خارج السياق الوطني الكبير، بل جاء انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، الذي جعل من تعزيز السيادة الإقتصادية، وتنويع الإقتصاد الوطني، وربط المغرب بإفريقيا والعالم، أولوية استراتيجية.
وحين يلتقي الوزير بالموانئ، فهو يلتقي ببوابات المغرب على العالم. وحين يرقمن الإجراءات، فهو يرقمن صورة المغرب لدى المستثمر الأجنبي. وحين يسهّل على المُصدّر، فهو يسهّل على المغرب كله أن يصل إلى الأسواق.

وزير الميدان.. لا وزير المكاتب

يُثبت مرة أخرى د.عمر حجيرة أنه وزير الميدان لا وزير المكاتب، من مجلس النواب حيث كشف أن الصناعة المغربية تُصدّر مليار درهم يومياً، إلى مقر الوكالة الوطنية للموانئ حيث يبني اليوم الجسور الرقمية لذلك التصدير، يشتغل الرجل بنفس المنهجية، أرقام دقيقة واستماع حقيقي وقرارات عملية، ومتابعة لا تعرف التوقف.
ولم يكن في الدار البيضاء، الحديث عن الرقمنة حديثاً عن حواسيب وبرامج، بل كان حديثاً عن كرامة المُصدّر المغربي، وعن وقت المقاولة، وعن مال المستثمر، وعن سمعة المغرب في موانئ العالم.
لقد فهم د.حجيرة أن المعركة الإقتصادية القادمة لن تُحسم في المصانع فقط، بل في الموانئ، وفي المنصات، وفي سرعة الإجراءات. ومن يملك السرعة، يملك السوق.
وأرسل الوزير من قلب الوكالة الوطنية للموانئ، رسالة طمأنة لكل مُصدّر مغربي، أن الدولة معه، والرقمنة في خدمته، والمغرب ماضٍ، بثبات، نحو أن يكون قوة تصديرية إفريقية ومتوسطية لا يمكن تجاوزها.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة