الشرق/وجدة : عبد الرحيم باريج
ليست مؤسسة محمد الخامس للتضامن مجرد مؤسسة خيرية، بل هي فلسفة حكم، ورؤية ملكية، وعقد اجتماعي متجدد بين العرش والشعب. منذ أن أسست بمرسوم في 5 يوليوز 1999 على يد جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، وسميت باسم بطل التحرير محمد الخامس طيب الله ثراه، وترأسها فعليا جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي لُقب بملك الفقراء، تحولت مؤسسة محمد الخامس للتضامن إلى أيقونة وطنية للكرامة الإنسانية تحت شعارها الخالد “لنتحد ضد الحاجة”.
أولاً: الهوية والرسالة مؤسسة بمواصفات دولة
مؤسسة محمد الخامس للتضامن هي مؤسسة تضامنية اجتماعية وطنية ذات استقلالية مالية، يعترف القانون بدورها في إنجاز أنشطة تعود بالنفع العام. تدار بروح الشفافية المطلقة، بمجلس إداري تحت الرئاسة الفعلية لجلالة الملك، وطاقم مسير من رؤساء مشاريع مؤهلين وأطر مشرفة على التسيير الإداري والمالي والتواصل والنظم المعلوماتية والمساعدات الإجتماعية.
وتتجلى عبقريتها في مبادئ تسييرها، عشرة أيام فقط للإكتتاب، حرية مطلقة للتبرع دون ضغوط، رفض الإقتطاع من الأجور حتى بطلب المأجورين، مرور كل دفع عبر حساب مفتوح لدى بنك المغرب، ونشر المبالغ من طرف مكتب تدقيق حسابات معتمد. هكذا بُنيت الثقة التي لا تهتز.
أسست وأهدافها واضحة، تطوير ظروف العيش، القضاء على أسباب الفقر، تحسين موارد دخل الفئات المحرومة، الحد من هشاشة ربات البيوت وذوي الإحتياجات الخاصة، والحد من الآثار السلبية للفقر على الأطفال، وترسيخ ثقافة التضامن كمحرك رئيسي للتنمية الاجتماعية.
دبلوماسية التضامن المغربي على الصعيد الدولي
لم يعد عمل المؤسسة حبيس الحدود. فهي تتمتع بصفة استشارية لدى المجلس الإقتصادي والإجتماعي للأمم المتحدة، وتتدخل على المستوى الدولي إثر الكوارث الطبيعية والأحداث الكبرى، بتنسيق مع القطاعات الحكومية المكلفة بالتعاون الدولي والصحة.
يشمل برنامجها الإنساني الدولي إغاثة ضحايا الكوارث، والدعم الغذائي، ودعم برامج الجمعيات، واستقبال المغاربة المقيمين بالخارج. إنها الوجه النبيل للمغرب في العالم، مغرب يتضامن قبل أن يُطلب منه التضامن، ويقدم المساعدة الإنسانية كواجب حضاري لا كمنّة.
أبرز تجلياتها الدولية عملية “مرحبا” لاستقبال المغاربة المقيمين في الخارج، التي أصبحت نموذجا عالميا في حسن الإستقبال، والمساعدات الإنسانية الدولية التي بلغت بندا قارا في تقاريرها السنوية.
شبكة وطنية للأمان الإجتماعي
تشتغل المؤسسة وطنيا في مجالات عمل واسعة، برامج التنمية المستديمة، الأعمال الإجتماعية والإنسانية، توفير البنية التحتية الأساسية والمراكز الإجتماعية، مساعدة ضحايا الكوارث، محو الأمية وتكوين الكبار والشباب، دور الطالبات والفتيات، عملية الإفطار في رمضان، التحسيس الطبي، وإعادة إدماج المعاقين.
دأبت المؤسسة منذ إحداثها عام 1999، على تنفيذ برامج تهدف للتخفيف من مظاهر الإقصاء والهشاشة ودعم الأشخاص في وضعية صعبة وضمان انخراطهم الفاعل في محيطهم السوسيو-اقتصادي، عبر تأهيل النساء في وضعية صعبة، وحماية الأطفال ودعم تمدرسهم وتيسير اندماج الشباب عبر مراكز التكوين المهني ومختلف البنيات الاجتماعية والتربوية.
وأطلقت عام 2016 برنامج الإدماج عبر المشاريع الإقتصادية لتعزيز الدينامية المقاولاتية على المستوى الوطني، وهو البرنامج الذي أصبح رافعة حقيقية للتشغيل الذاتي.
جهة الشرق نموذجاً للتدخل المندمج جهويا
إذا كانت جهة الشرق تعتبر من أنشط فروع المؤسسة، فالأرقام تتحدث، مائة مشروع أطلقها الفرع الجهوي على مدى 14 عاما بجهة الشرق وعمالة الحسيمة.
واستفادت في قلب حملاتها الإنسانية الكبرى، أزيد من 15 ألف أسرة على مستوى جهة الشرق من عملية “مواجهة البرد القارس” التي تشرف عليها المؤسسة تنفيذا للتعليمات الملكية السامية. وتفصيلاً، وزعت المؤسسة كدفعة أولى حصصاً غذائية لفائدة ألف أسرة تنحدر من 41 دوارا بجماعتين تابعتين لعمالة وجدة-أنجاد، إضافة إلى 1250 أسرة بـ 9 دواوير بإقليم جرادة، على أن تستهدف العملية على مستوى عمالة وجدة-أنجاد توزيع 4500 حصة لفائدة أسر تقطن بـ 164 دوارا تابعا لـ 10 جماعات ترابية.
يشرف على هذا العمل الميداني المنسق الجهوي للمؤسسة سمير بنعيادة بتنسيق محكم مع وزارة الداخلية والسلطات الإقليمية، مما يعكس احترافية أطر المؤسسة وقربهم من الميدان.
وجدة محليا عاصمة التضامن في الشرق
بلغ في عمالة وجدة-أنجاد وحدها، التي تضم عدة جماعات حضرية وقروية، عدد المشاريع 26 مشروعا، منها 17 مشروعا اجتماعيا همت دور الطالبة ودور الفتاة ومراكز تكوين وتأهيل المرأة ومراكز سوسيو-ثقافية تربوية، ناهيك عن مشاريع نوعية كبناء مركز لأطفال الشوارع بوجدة بغلاف 26.1 مليون درهم، ودار الأطفال المتخلى عنهم بوجدة التي تسيرها جمعية الأمل.
لكن جوهرة التاج اليوم في وجدة هي مركز المقاولات الصغرى التضامنية بوجدة. هذا المركز، الذي أحدث بغلاف 24 مليون درهم، ودشن العمل به ضمن تسعة مراكز جديدة أمر جلالة الملك بإطلاقها في مدن طنجة ووجدة وفاس وجرادة وسلا والرباط وتمارة والدار البيضاء ومديونة، يعد واحدا من أربعة مراكز كبرى على الصعيد الوطني إلى جانب الدار البيضاء (2015) وفاس (2019) والحاضنة الرقمية التضامنية بسلا.
احتضن منذ افتتاحه عام 2022، مركز وجدة دفعة أولى ضمت 35 مقاولة صغرى استكملت احتضانها وباتت تمارس أنشطتها في فضاءات مهنية مستقلة. وأطلقت اليوم المؤسسة الدفعة الثانية التي تضم 36 شابا وشابة من حاملي المشاريع من بينهم 11 امرأة، في إطار برنامج الإدماج عبر الأنشطة الاقتصادية.
وصادق مجلس جهة الشرق لضمان استدامته على اتفاقية مع المؤسسة وولاية جهة الشرق بغلاف مالي قدره 12 مليون درهم ممول بالتساوي بين الجهة والمؤسسة لدعم الشباب حاملي المشاريع للفترة 2026-2027، في ترجمة عملية للعناية الملكية السامية لدعم الشباب وتحفيزهم على الولوج إلى سوق العمل وروح المقاولة.
أكد المنسق الجهوي لمؤسسة محمد الخامس للتضامن بجهة الشرق، سمير بنعيادة، أن هذه المبادرة تجسد العناية الملكية السامية الموصولة بدعم الشباب وتحفيزهم على ولوج سوق الشغل من خلال خلق فرص عمل قارة ومستدامة، لاسيما المنحدرين من أوساط هشة.
إشادة مستحقة
ليست مؤسسة محمد الخامس للتضامن إدارة، بل مدرسة في الحكامة الإجتماعية. أطرها في الرباط كما في وجدة، من المنسق الجهوي إلى المساعدة الإجتماعية في أبعد دوار بجهة الشرق، يعملون بصمت ونكران ذات، يجسدون رؤية ملكية تقول إن التنمية لا تقاس بالأرقام فقط، بل بابتسامة طفل عاد إلى المدرسة، وامرأة وجدت مصدر رزق، وشاب تحول من عاطل إلى مقاول، وأسرة واجهت قساوة البرد بدفء الوطن.
هي المؤسسة التي علمت المغاربة أن التضامن ليس صدقة موسمية، بل هو بنية تحتية للدولة الإجتماعية التي أرادها جلالة الملك محمد السادس نصره الله وشافاه. وتشهد اليوم وجدة، المدينة الألفية، أن هذا التضامن قد وجد طريقه إلى أزقتها ودواويرها ومقاولاتها الناشئة بنسائها وأطفال وشبابيك وشيوخها، “لنتحد ضد الحاجة” شعار رفعته المؤسسة، فرفعها الشعب شعارا للثقة والأمل.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

