متابعة: عزيز اليوبي
في منطقة يفترض أن تكون فيها حماية الموارد الطبيعية أولوية، يطفو إلى السطح من جديد ملف مقلع يوجد على ضفاف واد أزركي بجماعة غسات، إقليم ورزازات، وسط تساؤلات متزايدة حول ظروف استمرار استغلاله، ومدى احترامه للضوابط القانونية والبيئية، والآثار التي خلفها هذا النشاط على المجال الطبيعي والساكنة المحلية، وفق إفادات وشهادات متداولة بالمنطقة.
فالموضوع، بحسب ما يؤكده عدد من أبناء المنطقة، لا يتعلق بنشاط عابر أو استغلال محدود زمنياً، وإنما بمقلع يُقال إنه يشتغل منذ أكثر من عقدين، حيث يتم استخراج الرمال وتكسير الأحجار في عين المكان، قبل تسويقها، في مشهد يطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى استدامة هذا الاستغلال، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمجال طبيعي مرتبط بمجرى مائي وموارد مائية تعتبر أساسية بالنسبة للساكنة والأنشطة الفلاحية والرعوية.
واد أزركي.. ثروة طبيعية أمام ضغط الاستغلال
واد أزركي ليس مجرد مساحة جغرافية تمر عبرها آليات ومعدات ثقيلة، بل هو جزء من منظومة بيئية محلية، وأي استغلال مكثف لمواده الطبيعية يستوجب، بالضرورة، احترام مجموعة من الشروط والمعايير التي تضمن عدم الإضرار بالتوازن البيئي والمائي للمنطقة.
غير أن استمرار نشاط المقلع، وفق إفادات محلية، أصبح يثير مخاوف جدية بشأن استنزاف الموارد الطبيعية وتغيير معالم الموقع والتأثير المحتمل على الموارد المائية والفرشة المائية.
وتذهب بعض الشهادات المحلية إلى أن عدداً من الدواوير بالمنطقة عانى خلال السنوات الماضية من ظروف صعبة مرتبطة بالماء والمجال الطبيعي، بل إن الحديث عن هجرة بعض الأسر والسكان من عدد من الدواوير يفتح بدوره باباً واسعاً أمام ضرورة دراسة الأسباب الحقيقية وراء هذه التحولات، وعدم الاكتفاء بالتفسيرات السطحية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة:
هل تم فعلاً تقييم التأثير التراكمي لاستغلال المقلع على الموارد المائية والبيئة طوال هذه السنوات؟
أكثر من عشرين سنة.. أين هي المراقبة؟
إذا كانت مدة الاستغلال المتداولة محلياً تتجاوز عشرين سنة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمنح الترخيص في بدايته، وإنما أيضاً بمدى استمرار احترام شروطه عبر الزمن.
فالمقالع، مهما كانت طبيعة نشاطها، لا يمكن أن تكون بمنأى عن المراقبة والتتبع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواقع قريبة من مجاري المياه والطرق الوطنية والمناطق السكنية.
ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة:
هل تم تجديد أو تمديد التراخيص وفق المساطر القانونية؟
هل خضع المقلع لعمليات تفتيش دورية؟
هل أنجزت لجان المراقبة تقارير ميدانية حول وضعية الموقع؟
هل تم احترام المساحة المحددة للاستغلال؟
هل تم احترام الكميات والعمق المسموح بهما؟
هل تم اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الفرشة المائية؟
وهل توجد دراسة واضحة لتأثير نشاط المقلع على البيئة والمجال المحيط؟
أسئلة كثيرة تنتظر أجوبة رسمية واضحة، بعيداً عن لغة الصمت أو الاكتفاء بالمعاينات الشكلية.
موقع حساس قرب الطريق الوطنية
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى موقع المقلع بالقرب من الطريق الوطنية التي تربط ورزازات بجماعة غسات في اتجاه دمنات.
وجود نشاط لاستخراج الرمال وتكسير الأحجار بمحاذاة محور طرقي مهم يفرض، بدوره، التأكد من توفر شروط السلامة، خصوصاً في ما يتعلق بحركة الشاحنات والآليات، ونقل المواد المستخرجة، والغبار المتطاير، واحتمالات تساقط الأحجار أو تأثير الأشغال على مستعملي الطريق.
فالسلامة الطرقية لا ينبغي أن تكون مسألة ثانوية عندما يتعلق الأمر باستغلال مكثف للموارد الطبيعية بواسطة معدات وشاحنات ثقيلة.
من رخص؟ ومن يراقب؟
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً في هذا الملف هو:
من هي الجهات التي منحت الترخيص؟ وما هي الشروط والمعايير التي اعتمدت عليها اللجنة المختلطة للسماح باستغلال ضفاف واد أزركي؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني اتهام أي جهة، وإنما هو مطلب مشروع في إطار الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فإذا كان الترخيص قانونياً ومستوفياً لجميع الشروط، فإن نشر المعطيات الأساسية المتعلقة به من شأنه أن يضع حداً للجدل ويطمئن الساكنة.
أما إذا كانت هناك خروقات أو تجاوزات، فإن القانون يجب أن يأخذ مجراه، مهما كانت الجهة أو الشخص المسؤول.
الثروة الطبيعية ليست ملكاً خاصاً
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في وجود مقلع أو نشاط اقتصادي، بل في كيفية استغلال الثروة الطبيعية.
فالموارد الطبيعية ليست ملكاً لفرد أو مجموعة، وإنما هي جزء من الرصيد المشترك الذي يجب تدبيره بما يخدم المصلحة العامة، ويضمن حقوق الأجيال القادمة.
والاستغلال الاقتصادي لا يمكن أن يكون مبرراً لتدمير المجال أو استنزاف الموارد المائية أو إلحاق أضرار بالسكان.
كما أن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الشاحنات التي تغادر المقلع محملة بالرمال والأحجار، وإنما تقاس بمدى استفادة الساكنة المحلية، واحترام البيئة، وخلق فرص الشغل، وإعادة تأهيل المواقع المستغلة، وضمان استدامة الموارد.
غسات.. التنمية التي تنتظرها الساكنة
جماعة غسات، مثل باقي مناطق إقليم ورزازات، تتوفر على مؤهلات طبيعية كبيرة، وتحتاج إلى مشاريع تنموية حقيقية ومستدامة.
والساكنة لا تبحث فقط عن شعارات التنمية، وإنما عن طرق وماء وكهرباء وفرص شغل وتحسين الخدمات الأساسية وحماية المجال الطبيعي.
وفي هذا السياق، يستحضر أبناء المنطقة الزيارة الملكية التي قام بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله للمنطقة، وما رافقها من اهتمام بأوضاع السكان، ومن بينها ربط مجموعة من الدواوير بالكهرباء وتحسين ظروف العيش.
ومن غير المنطقي، حسب عدد من الأصوات المحلية، أن تتزامن طموحات التنمية وتحسين ظروف العيش مع استمرار مخاوف مرتبطة باستنزاف الموارد الطبيعية في المنطقة.
هل حان وقت افتحاص هذا الملف؟
اليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح ملف المقلع من جديد، ليس من أجل التشويش على الاستثمار أو عرقلة النشاط الاقتصادي، وإنما من أجل التأكد من احترام القانون وحماية البيئة وصون حقوق السكان.
والحل، في نظر العديد من المتابعين، يبدأ من لجنة مختلطة حقيقية تضم المصالح المختصة، وتقوم بزيارة ميدانية للموقع، وتعاين حجم الاستغلال، وتراجع الوثائق والتراخيص، وتتحقق من مدى احترام الالتزامات البيئية والتقنية.
كما أن إجراء خبرة مستقلة حول وضعية الفرشة المائية والمجال المحيط بالمقلع يمكن أن يكون خطوة مهمة لتحديد حجم التأثير، إن وُجد، بعيداً عن المواقف والانطباعات.
رسالة إلى عامل إقليم ورزازات
وأمام هذه المعطيات والتساؤلات، تتوجه أصوات من المنطقة إلى السيد عامل إقليم ورزازات مطالبة بالتدخل وفتح تحقيق إداري وتقني وبيئي حول وضعية المقلع.
المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة، وإنما الحقيقة.
وإذا أثبت التحقيق أن الاستغلال يتم وفق القانون ويحترم جميع الشروط، فإن ذلك سيكون جواباً واضحاً على كل التساؤلات.
أما إذا كشفت المعاينة وجود مخالفات أو أضرار أو تجاوزات، فإن المطلوب هو تطبيق القانون وترتيب المسؤوليات.
من يحمي واد أزركي؟
السؤال اليوم لم يعد فقط: من يستغل المقلع؟
بل أصبح:
من يحمي واد أزركي؟
من يحمي الفرشة المائية؟
من يحمي سكان الدواوير؟
من يراقب المقالع؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت أن الاستغلال تسبب في أضرار بيئية أو مائية؟
إنها أسئلة مشروعة تفرض نفسها بقوة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بثروة طبيعية استُغلت، بحسب المعطيات المتداولة محلياً، لسنوات طويلة.
وفي انتظار توضيحات رسمية من الجهات المختصة، يبقى مطلب الساكنة واضحاً:
فتح تحقيق شفاف، إجراء معاينة ميدانية، افتحاص التراخيص، تقييم الأضرار المحتملة، ونشر النتائج للرأي العام.
فالثروات الطبيعية لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للاغتناء السريع على حساب البيئة والساكنة، كما أن حماية المال العام والثروات المشتركة تقتضي دائماً الشفافية والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
واد أزركي اليوم ينتظر جواباً.. والساكنة تنتظر الحقيقة.

اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


