النهار نيوز (بقلم: وهيبة وردي)
تستمر التفاعلات الميدانية والفضاءات الرقمية بالمغرب في كشف عمق القطيعة بين الخطاب الرسمي وتطلعات الشارع الشبابي، خاصة عقب التحركات الأخيرة ومشاهد المعابر الحدودية التي تصدرها قاصرون وشباب ينتمون لـ “جيل Z”. أظهرت هذه الديناميات أن القضية تتجاوز مجرد تعبير عن مطالب اجتماعية عابرة، لتسلط الضوء على صدمة أجيال وانقطاع شبه تام في قنوات التواصل بين منطقين ينتميان لزمنين مختلفين.
جيل التدبير.. التغيير من داخل الأسوار
يُمثل جيل الستينات والسبعينات النواة الصلبة للنخب المسيرة اليوم للمؤسسات، والممسكة بمقاليد القرار السياسي والاقتصادي. تشكل الوعي السياسي لغالبيتهم داخل المقرات الحزبية وفي معترك العمل النقابي والجمعوي التقليدي، وتأسست مرجعيتهم على مفاهيم محورية من قبيل:
”الاستقرار والتدرج الإصلاحي”: الإيمان بأن إصلاح الواقع يتطلب الوقت والصبر والتدافع المؤسساتي.
”الترقي عبر الامتثال”: النظر إلى الوظيفة القارة والالتزام التنظيمي كمسار طبيعي وحيد لتحسين الوضع الاجتماعي.
بالنسبة لهذا الجيل، تظل “المؤسسة” هي الفضاء الوحيد لتوليد التغيير، وتُصاغ لغته عبر البلاغات، البرامج الحكومية، والأرقام الماكرو-اقتصادية.
جيل Z.. السياسة بعين الخوارزميات
على الجانب الآخر، يقف جيل الألفينات والجيل Z ككتلة مجتمعية خارج التبويب الحزبي التقليدي؛ جيل “لا ينتمي” للتشكيلات السياسية القائمة ولا يرى في النقابات أو الهياكل الموروثة أداة تمثله أو تستوعب انشغالاته.
صيغت الرؤية السياسية لهذا الجيل في فضاءات الميديا الرقمية (TikTok, Discord, Instagram)، حيث لم يعد صندوق الاقتراع وسيلته الأساسية للتعبير، بل استُبدلت بـ:
المقاطع القصيرة: كأدوات للتكثيف والتعبير عن الرفض أو التضامن.
”التكتل الرقمي السريع”: القدرة على تنظيم أشكال احتجاجية أو تفاعلية في زمن قياسي دون حاجة لقيادات ميدانية أو مكاتب سياسية.
تتبدى الفجوة جلياً حين تصطدم لغة “الأرقام والمشاريع الكبرى” الصادرة عن المسؤولين بلغة “التجربة الفردية المعاشة” التي يوثقها الشباب بالصورة والصوت. فعندما تُقدّم الحكومة حصيلتها عبر مؤشرات الماكرو-اقتصاد والتوازنات المالية، يرد هذا الجيل بمقاطع حية من الواقع اليومي قائلين: “هذه الإنجازات لا نلمسها في تفاصيل حياتنا”.
تكمن نقطة التباين في المرجعية؛ فالأول يطلب الصبر لحين نضج المشاريع التنموية، بينما يعيش الثاني في عصر “السرعة الرقمية”، حيثُ يُترجم الانتظار لديه كضياع لفرص الحياة والكرامة الحاضرة.
تثبت هذه التحولات أن الأزمة الحالية ليست مجرد تعثر في مؤشرات الشغل أو القدرة الشرائية، بل هي بالأساس أزمة ثقة ومعنى. ولا يمكن تجسير هذه الفجوة عبر استمرار الاعتماد على “اللغة الخشبية” أو قوالب التواصل الكلاسيكية التي تجاوزها الزمن.
إن استعادة الثقة تقتضي الانتقال نحو الإنصات الفعلي لشفرات هذا الجيل، وتكييف السياسات العمومية والإعلامية لتتحدث بلغة واقعية، مباشرة، وملموسة الأثر في المعيش اليومي للشباب
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



