«تراتيل الفرات الأخيرة».. حين تتحول الذاكرة إلى قصيدة ويصبح النهر شاهداً على ما تبقى من البلاد

محرر الموقعمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
«تراتيل الفرات الأخيرة».. حين تتحول الذاكرة إلى قصيدة ويصبح النهر شاهداً على ما تبقى من البلاد

ليس من السهل الدخول إلى عالم «تراتيل الفرات الأخيرة» من مدخل واحد؛ فالديوان الذي صدر للشاعر العراقي قصي حزام عيال عن دار ميزر للطباعة والنشر والتوزيع، في طبعته الأولى الصادرة في مايو 2026، يفتح أمام قارئه عالماً تتقاطع داخله الذاكرة بالتاريخ، والمكان بالغياب، والحلم بالمنفى، والإنسان بأسئلته الوجودية. لذلك تبدو نصوص المجموعة أقرب إلى رحلة داخل الوعي الفردي والجماعي، منها إلى مسار شعري خطي ومغلق.

منذ العتبة الأولى، يحضر الفرات بوصفه أكثر من مجرد نهر. إنه ذاكرة مكان، ووعاء لتاريخ طويل، ومجاز لوطن تتنازعه التحولات والفقد. وفي نص «تراتيل الفرات الأخيرة» (ص. 9)، يتحول النهر إلى كائن يحمل ظلال أبنائه ويوقظ في رماده أسلافاً غائبين، فيما تتقاطع صور الماء والنخيل والصلصال والتمر والطيور والقوارب مع استعادة عراق قديم تقف ذاكرته في مواجهة حاضر مثقل بالخراب.

ولعل الماء هو أحد أبرز المفاتيح الرمزية في المجموعة؛ فالفرات ليس عنصراً طبيعياً عابراً، وإنما حامل للذاكرة ومختزن لطبقات التاريخ. وتزداد هذه الدلالة وضوحاً في «آلهة الماء» (ص. 67)، حيث يستعيد الكاتب بقايا الفرات القديم، ويستحضر البابليين والسومريين ومتسلقي النخل والصيادين وطيور الماء، في محاولة لإعادة بناء علاقة الإنسان بمكانه الأول عبر استدعاء ما تراكم فيه من حضارات وذكريات.

ولا يكتفي الشاعر باستحضار الجغرافيا، بل يستدعي كذلك أسماء ومرجعيات أساسية من الذاكرة الأدبية العراقية والعربية. ففي «بين السياب والجواهري والنواب – حلم» (ص. 11)، يضع ثلاث تجارب شعرية عراقية مختلفة داخل فضاء واحد، بينما يمنح في «المتنبي» (ص. 15) مساحة لشخصية شعرية تجاوز حضورها حدود عصرها. وهنا يبدو التراث الأدبي جزءاً من حوار متواصل بين الشاعر وأسلافه، وبين الحاضر الشعري والذاكرة الثقافية التي ينتمي إليها.

وتكشف عناوين المجموعة نفسها عن طبيعة هذه الرحلة. فالعناوين ليست مجرد تسميات للنصوص، وإنما إشارات إلى الحقول الدلالية التي يتحرك فيها الديوان. ففي «أهرع لباب ذاكرتي» (ص. 13) يصبح الماضي مكاناً يمكن العودة إليه، بينما يحضر الماضي بوصفه زمناً ثقيلاً في «أفكار من الماضي» (ص. 26) و**«لهاث الماضي» (ص. 29)**. أما «سحب الأسئلة» (ص. 31) فينقل القارئ من استعادة ما مضى إلى مواجهة الأسئلة التي يتركها ذلك الماضي مفتوحة.

ومن هنا تبدو الذاكرة الخيط الأكثر امتداداً في المجموعة. لكنها ليست ذاكرة مستقرة ومطمئنة، وإنما ذاكرة قلقة ومتشظية تستدعي الماضي بقدر ما تكشف صعوبة استعادته. في «أهرع لباب ذاكرتي» (ص. 13)، يبدو الماضي فضاءً قابلاً للولوج، لكن العودة إليه لا تخلو من التردد والانكسار، فيما تجعل «لهاث الماضي» (ص. 29) من الماضي قوة مستمرة في ملاحقة الذات وعدم تركها تستقر في حاضرها.

ويتسع هذا الاستدعاء ليشمل سؤال الزمن نفسه. ففي «قطار العمر» (ص. 60)، يصبح العمر رحلة لا تتوقف، بينما تكشف «دفاتر مبللة» (ص. 63) عن صورة أخرى للذاكرة، حيث ما كُتب في الماضي مهدد بالمحو والاضمحلال. ومن خلال هذه الصور، يتحول الزمن من مجرد إطار للأحداث إلى عنصر فاعل في تشكيل التجربة الشعرية.

كما يحضر الليل بوصفه فضاءً للتأمل والقلق والبحث عن إجابات. ففي «من يطرق باب الليل» (ص. 34)، يصبح الليل عتبة للأسئلة والانتظار، لا مجرد ظرف زمني. وهكذا تتداخل ثنائية الليل والذاكرة، ويجد الشاعر نفسه أمام مساحة داخلية تتكاثر فيها الأسئلة كلما خفتت الأصوات الخارجية.

ومن الذاكرة الفردية ينتقل الديوان تدريجياً إلى الذاكرة الجماعية. فالحرب ليست في هذه النصوص حدثاً منفصلاً عن حياة الإنسان، بل ظل يرافق الأمكنة والأشخاص والأشياء. وتبدو آثارها واضحة في «المحاربون القدامى» (ص. 44)، حيث تحضر القلاع المهدمة والمخطوطات المحترقة والخيول الهالكة والمحاربون الذين أنهكهم الزمن، في مشهد يستعيد تاريخاً مثقلاً بالخسارات.

وتتخذ صورة الخراب شكلاً أكثر كثافة في «أزقة الرماد» (ص. 58)، حيث يتحول الرماد إلى علامة على ما خلفته المحن في المكان والذاكرة معاً. فالمدينة هنا لا تظهر باعتبارها فضاءً عمرانياً فقط، وإنما بوصفها ذاكرة تتراكم فيها آثار الحروب والغياب، وتبقى شوارعها شاهدة على ما مر بها.

ومع ذلك، لا ينغلق الديوان على العتمة. فإزاء الرماد يحضر المطر، وإزاء الخراب تظل هناك إمكانية للحياة. في «زخات المطر» (ص. 22)، يتحول الماء إلى صورة للخلاص واستعادة الربيع، فيما تفتح صور الطبيعة نافذة على احتمال آخر يتجاوز اليأس. ويستمر هذا الأفق في «تعال أريك البياض» (ص. 42)، حيث تحضر الأشجار والطرق والعصافير بوصفها إشارات إلى إمكانية استعادة الحياة، حتى وإن ظلت محاطة بالضباب والانتظار.

وهذه الثنائية بين الخراب والأمل تمنح المجموعة حركتها الداخلية. فكلما استعاد النص صورة الفقد، ظهرت إلى جوارها محاولة لاستعادة الحياة؛ وكلما انفتح على الماضي، ترك نافذة للحلم. ولذلك لا يبدو الحلم في الديوان مجرد هروب من الواقع، بل وسيلة لمقاومة انهياره ومحاولة لإعادة تخيله.

أما على المستوى اللغوي، فالنصوص تنحاز بوضوح إلى المجاز والصورة المركبة، وتبتعد في كثير من مواضعها عن المباشرة. وهو ما يلتقي مع القراءة النقدية التي قدمها الدكتور رعد رحمة السيفي، والتي تضع السؤال في مركز التجربة، وترى أن اللغة المجازية تمنح القارئ مساحة للمشاركة في إنتاج الدلالة وتأويل الصور والعلاقات التي تنتظم داخل النصوص.

وتبدو طبيعة هذه الكتابة أكثر وضوحاً إذا أخذنا بعين الاعتبار تصريح الكاتب، بحسب التقديم النقدي، بأنه «لست شاعراً» (ص. 77)، وأنه أقرب إلى مثير للأسئلة. وهذه الرؤية تساعد على فهم طبيعة النصوص التي لا تسعى بالضرورة إلى بناء قصيدة تقليدية مكتملة، وإنما تتحرك في منطقة تتجاور فيها الصورة الشعرية مع التأمل والسرد والحوار الداخلي.

وتؤكد عناوين أخرى هذا الانفتاح على السؤال والتأمل، مثل «خيوط الخديعة» (ص. 21)، و**«النوافذ» (ص. 24)، و«المحاربون القدامى» (ص. 44)، و«آلهة الماء» (ص. 67)، و«ذاكرة القصائد» (ص. 74)**. فكل عنوان يبدو بمثابة مدخل إلى مساحة دلالية خاصة، لكنها تظل متصلة بالثيمات الكبرى التي تحكم المجموعة: الذاكرة، الزمن، المكان، الغياب، الماء، الوطن والحلم.

ويبرز الماء من جديد باعتباره مركزاً رمزياً للديوان؛ فالفرات في العنوان، والمطر في «زخات المطر» (ص. 22)، والماء في «آلهة الماء» (ص. 67)، والنهر بوصفه عنواناً مستقلاً في «النهر» (ص. 79)، كلها عناصر تؤكد أن العلاقة بالماء تتجاوز بعدها الطبيعي إلى معنى أعمق يتصل بالهوية والمكان واستمرار الحياة.

ومن هذه الزاوية، يصبح الفرات في «تراتيل الفرات الأخيرة» (ص. 9) شخصية مركزية داخل التجربة الشعرية. إنه النهر الذي يحمل أسماء الغائبين، ويستعيد آثار الحضارات، ويحتفظ بذاكرة المكان، ويقف شاهداً على التحولات التي أصابت البلاد. لذلك لا يعود الفرات مجرد خلفية جغرافية للأحداث، وإنما يتحول إلى كيان شعري تتجمع حوله أسئلة الوطن والذاكرة والزمن.

وفي النهاية، لا يمكن اختزال «تراتيل الفرات الأخيرة» (ص. 9) في كونه ديواناً عن الفرات أو الحرب أو الحنين فقط؛ فهو يتشكل من تداخل هذه العناصر جميعها داخل تجربة واحدة تبحث عن الإنسان في ركام الذاكرة، وعن الوطن في بقايا المكان، وعن المستقبل في آخر ما تبقى من الحلم.

ولعل قوة المجموعة تكمن تحديداً في أنها لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تبقي الأسئلة مفتوحة. فكل نص يفضي إلى نص آخر، وكل صورة تستدعي صورة، وكل عودة إلى الماضي تفتح احتمالاً جديداً للتأويل. ومن هنا تبدو تجربة قصي حزام عيال أقرب إلى مشروع تأمل شعري طويل في الذاكرة والمنفى والمكان والإنسان، حيث تصبح الكتابة محاولة للاحتفاظ بما يوشك على الضياع.

إن الديوان، في جوهره، محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بالكلمات: ذاكرة الأشخاص، وملامح الأمكنة، وأصوات الغائبين، وآثار الحضارات، وأحلام لم تجد طريقها بعد إلى الضوء. وبين النهر الذي يحمل كل هذه الذاكرة والإنسان الذي يخشى فقدانها، تتشكل «التراتيل الأخيرة»؛ تراتيل لا تنتهي بانتهاء النص، وإنما تواصل جريانها في ذاكرة القارئ.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة