في سياق قرار جمعية هيئات المحامين بالمغرب بمواصلة التوقف الشامل والمفتوح عن تقديم الخدمات المهنية للشهر الرابع على التوالي، وجهت المحامية فاطمة الزهراء الإبراهيمي من هيئة الدارالبيضاء رسالة إلى النقيب محمد حيسي هذا نصها:
بعد صدور الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتنفيذ القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة بتاريخ 18 غشت 2026، ونشره وفقا للمقتضيات الدستورية والقانونية، فإننا نكون أمام قانون نافذ ومرتب لآثاره القانونية، وليس أمام مجرد مشروع قانون أو نص ما زال معروضا للنقاش.
ومن تم، فإن الاستمرار في التعامل مع القانون وكأنه لا يزال في مرحلة المشروع، أو الدعوة إلى عدم تنفيذه بعد دخوله حيز النفاذ، يطرح إشكالا حقيقيا على مستوى احترام مبدأ سيادة القانون والالتزام بأحكام الدستور والقسم المهني.
أما الاعتراض على بعض مقتضيات القانون أو المطالبة بتعديلها، فهو حق مشروع ومكفول، ولا أحد يجادل في ذلك.
غير أن ممارسة هذا الحق، يجب أن تتم من داخل المؤسسات ووفق المساطر التشريعية والدستورية المقررة، وفي الوقت المناسب، لا عن طريق تعطيل قانون أصبح نافذا.
فالفصل السادس من الدستور واضح في إقرار مبدأ سمو القانون، وإلزام الجميع بالامتثال له، ولا يمكن أن تكون المواقف المهنية أو البيانات أو البلاغات، أيا كانت الجهة الصادرة عنها، مصدرا لتعليق نفاذ قانون صدر ونشر وفق الأشكال الدستورية والقانونية.
ولهذا، فقد اتخذت موقفي منذ صدور القانون، وقررت وضع حد للتوقف عن العمل، والعودة إلى ممارسة مهامي المهنية، ابتداء من فاتح شتنبر، مباشرة بعد انتهاء العطلة القضائية، وذلك احتراما للمؤسسات، وللدستور، وللقانون، وللقسم الذي أديناه جميعا.
فالاختلاف حول قانون لا يعني ابدا عدم تنفيذه، والمطالبة بتعديله، لا تعني الامتناع عن تطبيقه، والاحتجاج على بعض مقتضياته، لا يمنح أحدا سلطة تعليق نفاذه.
وموقفي ليس معزولا، فقد عبر عدد من النقباء السابقين بهيئة المحامين بالدارالبيضاء، ومن بينهم النقيب الأستاذ الشهبي والنقيب الأستاذ درميش، إلى جانب عدد من أعضاء مجلس الهيئة، عن الموقف نفسه.
كما عبر عن هذا التوجه، الأستاذ مصطفى الرميد، وزير العدل السابق والمحامي بهيئة الدارالبيضاء، وكذلك الأستاذ عبد الكبير طبيح، الذي سبق أن تولى رئاسة لجنة العدل والتشريع، وهو أيضا عضو بمجلس هيئة المحامين بالدارالبيضاء، وعضو بمكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، إلى جانب غيرهم، ممن اختاروا العودة إلى ممارسة مهامهم المهنية.
كما أن موقف هيئة المحامين بالدارالبيضاء، الذي تم التعبير عنه داخل مكتب الجمعية أمس، جاء رافضا لاستمرار التوقف، خلافا لمواقف عدد من الهيئات الأخرى.
وعليه، فإنني ومع عدد من الزملاء والزميلات ونقبائي السابقين، سأكون ابتداء من فاتح شتنبر بمحاكم الدارالبيضاء، مرتدية البذلة المهنية، وحاضرة بقاعات الجلسات، وممارسة لمهامي الاعتيادية، في احترام تام للقانون والدستور.
لقد حان الوقت لكي نخرج من منطق البيانات والبلاغات والتوقف، إلى منطق المسؤولية المهنية والمؤسساتية.
فالمهنة لا تحمى بتعطيل العدالة،
ولا تصان بمخالفة القانون،
وإنما يدافع عن استقلاليتها وعن حقوق منتسبيها، بالوسائل القانونية والمؤسساتية، وبالنفس المهني الطويل.
وفي هذا السياق، أجد في ما تفضل به الأستاذ مصطفى الرميد، في مراسلته إليكم، معنى بالغ الدلالة، حين عبر عن أننا حفرنا حفرة ولا نزال نحفرها، وأن الخروج منها، سيكون شاقا ومكلفا،
وهي صورة تختصر الوضع الذي آلت إليه الأمور اليوم.
كما أنني أتفق تماما، مع ما عبر عنه النقيب الأستاذ الشهبي، من أن العودة إلى ممارسة مهامنا المهنية، هي في حد ذاتها، خروج من هذه الحفرة، واستعادة للمسار الطبيعي للمهنة، ولعلاقة المحامي بالمحكمة وبالمتقاضين وبمؤسسات الدولة.
فالسؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم لم يعد فقط ما هي مطالبنا؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا وخطورة إلى من سنوجه هذه المطالب؟ ومن هو المخاطَب بها اليوم؟ وما هو الإطار المؤسساتي الذي سنخوض من خلاله هذا الحوار؟. وهنا تكمن خطورة الوضع، الذي وصلنا إليه، إذ أصبحنا، بعد نشر القانون ودخوله حيز النفاذ، أمام وضع لا يتعلق فقط بمطالب مهنية، وإنما أمام فراغ في تحديد المخاطب بهذه المطالب، والمسار الذي يمكن أن تطرح من خلاله.
ولعل الأخطر من ذلك أن نجد، لأول مرة في تاريخ مهنة المحاماة، وفي تاريخ الممارسة المهنية بالمغرب، فئة مهنية تتجه إلى الاستمرار في التوقف عن ممارسة مهامها، بعد أن صدر قانون جديد ينظم مهنتها بظهير شريف، ونشر في الجريدة الرسمية، وأصبح نافذا ومرتبا لآثاره القانونية.
وهذا، في تقديري، هو المسار، الذي ينبغي أن نتوقف عنده اليوم، لا بالاستمرار فيه، وإنما بالعودة عنه..
إن القانون رقم 66.23 أصبح قانونا نافذا وملزما، والطريق إلى تغييره أو تعديله واضح: المؤسسات، والمساطر، والحوار، والعمل التشريعي والدستوري.
أما القانون، ما دام نافذا، فاحترامه ليس موقفا سياسيا، ولا اختيارا شخصيا، بل هو مقتضى من مقتضيات دولة القانون.
نختلف في المواقف، نعم.
نختلف في تقييم القانون، نعم.
نطالب بتعديله، نعم، لكن لا ينبغي أن نختلف حول مبدأ واحد: القانون النافذ يحترم، وتعديله يتم بالقانون.
ومن هنا، أقولها بكل وضوح: سأعود إلى عملي ابتداء من فاتح شتنبر، وسأكون في المحكمة، وأمارس مهامي، وأحترم القانون والدستور والقسم المهني.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



