أزمة الأنظمة المعلوماتية القضائية بالمغرب: حلٌّ عاجل قبل أن تتعطل العدالة الرقمية

abdelaaziz63 يناير 2026Last Update :
أزمة الأنظمة المعلوماتية القضائية بالمغرب: حلٌّ عاجل قبل أن تتعطل العدالة الرقمية

بقلم الاستاذ رشيد أشنين 

خبير تحول رقمي بمجال العدالة

 

لم يعد النقاش الدائر حول تدبير الأنظمة المعلوماتية القضائية بالمغرب نقاشًا تقنيًا أو خلافًا مؤسساتيًا عابرًا، بل تحوّل إلى ملف مستعجل يهدد استمرارية العدالة الرقمية. فبعد قرار المحكمة الدستورية، دخل هذا الورش مرحلة دقيقة، تستوجب حسمًا سريعًا قبل أن تنتقل الأزمة من مستوى النصوص إلى واقع المحاكم والخدمات المقدمة للمواطنين.

في الظاهر، يبدو الخلاف قائمًا بين وزارة العدل والسلطة القضائية حول الجهة المخوّل لها تدبير الأنظمة المعلوماتية. غير أن جوهر الإشكال أعمق من ذلك، ويتمثل في غياب نموذج وطني واضح لحوكمة البيانات القضائية. فالنقاش انحصر في “من يدبّر؟” بدل “كيف تُدار العدالة رقميًا؟”.

أخطر ما تُنتجه الوضعية الحالية هو تكريس ما يُعرف بـ صوامع البيانات القضائية؛ أي أنظمة معلوماتية متعددة، غير مترابطة، تُدار بمنطق العزلة بدل التكامل. والنتيجة هي بطء في الخدمات الرقمية، تكرار إدخال المعطيات، ضعف في إنتاج الإحصائيات، وهشاشة في الأمن المعلوماتي. ومعالجة ملايين الملفات سنويًا داخل هذا السياق تجعل أي خلل تقني محتملًا مرشحًا للتحول إلى أزمة وطنية.

الاستعجال هنا ليس خيارًا سياسيًا، بل ضرورة دستورية ومؤسساتية. فأي توقف مفاجئ لمنصة رقمية قضائية، أو تعطل في نظام معلوماتي أساسي، لن يكون مجرد عطب تقني، بل مساسًا مباشرًا بحقوق المتقاضين، وبمصداقية العدالة الرقمية التي راكم المغرب فيها استثمارات مهمة خلال السنوات الأخيرة.

المشكلة لا تكمن في مبدأ استقلال السلطة القضائية، بل في الخلط بين الاستقلال الوظيفي والتدبير التقني. فالاستقلال يعني حرية القاضي في إصدار الأحكام، لا إدارة الخوادم أو صيانة البرمجيات. كما أن الرقمنة لا تنجح داخل جزر رقمية معزولة، مهما كانت النوايا حسنة أو الموارد متوفرة.

في هذا السياق، يبرز نموذج بحيرة البيانات القضائية (Data Lake Adala) كحل عملي ومتوازن. هذا النموذج يقوم على تجميع البيانات القضائية داخل منصة وطنية موحدة، مع تنظيم الولوج إليها حسب الصلاحيات، وفصل واضح بين القرار القضائي والتدبير التقني. وهو نموذج يحترم الدستور، ويضمن الاستقلال، دون تعطيل التحول الرقمي.

اعتماد بحيرة البيانات القضائية لا يعني تركيز السلطة، بل تنظيمها. فالسيادة القضائية تبقى بيد السلطة القضائية، بينما يُسند التدبير التقني لهيئة مختصة ومحايدة، خاضعة للمساءلة والمعايير الموحدة. وبين الطرفين، تُحدث آلية حوكمة مشتركة تُحدد السياسات الرقمية، وتضمن الأمن والاستمرارية.

ما يحتاجه المغرب اليوم هو حسم سريع يقوم على أربع خطوات عاجلة: إحداث آلية انتقالية مشتركة بين كل المتدخلين، تجميد أي إسناد أحادي للأنظمة المعلوماتية، توحيد المعايير التقنية والأمنية، وضمان استمرارية الخدمات الرقمية دون انقطاع. فالتأجيل في هذا الملف قد يُكلف المرفق القضائي أكثر مما يبدو اليوم.

في المحصلة، الأزمة الحالية ليست أزمة اختصاص، بل أزمة تصور. وهي في الوقت ذاته فرصة لإعادة بناء العدالة الرقمية على أسس الحوكمة بدل الصراع. فالعدالة في العصر الرقمي لا تُقاس بعدد المنصات، بل بقدرتها على خدمة المواطن بكفاءة وأمان.

الزمن الرقمي لا ينتظر، والعدالة الرقمية أولى بالإسراع.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

Breaking News

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading