الإسلام في مواجهة الإسلاموية تقسيم مضلِّل

abdelaaziz6منذ ساعتينآخر تحديث :
الإسلام في مواجهة الإسلاموية تقسيم مضلِّل

محمد سعد خير الله 

 

تتعرض المجتمعات الغربية، ومعها قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، بصورة متكررة لعملية تزييف مفاهيمي تتعلق بالفصل بين الإسلام والإسلاموية، وكأننا أمام ظاهرتين منفصلتين أو بنيتين مختلفتين في الجوهر. ويجري تقديم هذا الفصل في كثير من الأحيان باعتباره حقيقة تحليلية أو ضرورة سياسية، بينما هو ـ في جوهره ـ أقرب إلى إعادة صياغة المشكلة لا إلى تفسيرها، وإلى تأجيل المواجهة لا إلى فهمها.

 

جزء من هذا يحدث بدافع الحسابات السياسية، وجزء آخر نتيجة نقص المعرفة الدقيقة ببنية الإسلام النصية والتشريعية والتاريخية، لكن النتيجة النهائية واحدة: إنتاج وعي مرتبك، عاجز عن رؤية العلاقة المباشرة بين النص المؤسس والسلوك الذي ينتج عنه حين يُؤخذ الدين بوصفه التزامًا كاملًا غير قابل للتجزئة.

 

فإذا كان المسلم يلتزم التزامًا كاملًا بما ورد في القرآن، وما نُقل في الحديث، وما استقر في السيرة، فإن هذا الالتزام لا يبقى في حدود الاعتقاد الفردي أو التعبد الشخصي، بل يتحول تلقائيًا إلى تصور شامل للحياة، وللعلاقة مع الآخر، ولشكل المجتمع، ولطبيعة السلطة، ولمنطق الحكم. ومن هذه النقطة تحديدًا يصبح الحديث عن “الإسلاموية” بوصفها شيئًا منفصلًا عن الإسلام نوعًا من التحايل الاصطلاحي الذي يحجب أصل المسألة بدلًا من كشفها.

 

وعليه، فإن المسلم الذي يأخذ النصوص المؤسسة بكامل جديتها، ويعتبرها مرجعًا ملزمًا في الفكر والسلوك والتنظيم، هو ـ من حيث البنية الفكرية ـ إسلاموي بالمعنى الكامل للكلمة، حتى وإن لم ينتمِ إلى تنظيم سياسي، أو يرفع شعارًا حزبيًا، أو يتحرك داخل جماعة منظمة. فالإسلاموية هنا ليست انتماءً تنظيميًا، بل نتيجة منطقية للالتزام الحرفي بالنص حين يُفهم باعتباره مشروعًا للحياة والدولة والمجتمع.

 

ومن هنا يصبح الادعاء بأن الإسلام شيء، والإسلاموية شيء آخر، محاولة لتخفيف أثر النصوص لا لتفسيرها، وإعادة إنتاج صورة تجميلية للدين منفصلة عن مواده المرجعية الأصلية. وهذا بدوره يؤدي إلى تغييب الوعي العام، وإرباك النقاش الفكري، ومنح مساحة واسعة لقوى تستفيد من هذا الغموض لتوسيع حضورها وتأثيرها داخل مجتمعات مختلفة.

 

الإشكال الحقيقي ليس في المصطلح وحده، بل في ما يترتب عليه سياسيًا وثقافيًا وأمنيًا؛ لأن بناء السياسات العامة على افتراض وجود قطيعة بين الإسلام والإسلاموية يؤدي في كثير من الأحيان إلى قراءة ناقصة للواقع، وإلى تأخر في إدراك طبيعة الدوافع التي تحرك الأفراد والجماعات حين تستند إلى مرجعيات دينية تعتبر نفسها ملزمة بالنص لا بالتأويل الحديث.

 

ولهذا فإن أي نقاش جاد حول الإسلاموية لا يمكن أن يبدأ من التنظيمات وحدها، بل من النصوص المؤسسة نفسها، ومن الطريقة التي تُنتج بها هذه النصوص تصورًا للعالم، ولموقع المسلم فيه، ولموقع غير المسلم أيضًا. وأقولها بوضوح كامل: إذا لم تتم أنسنة الإسلام، بحيث يصبح لدينا دين إنساني وقراءة إنسانية للنص، فإن أي مسلم يلتزم التزامًا كاملًا بتعاليم دينه، ويسعى إلى تطبيق ما يراه واجبًا دينيًا مستمدًا من تلك النصوص، هو ـ من الناحية الفكرية ـ إسلاموي بامتياز، لأن الالتزام الحرفي بالنص، في صورته التقليدية، يقود بالضرورة إلى هذا المسار.

 

ولا يمكن قراءة هذه النصوص بمعزل عن حقيقة أن الجهاد يحتل موقعًا مركزيًا في البناء العقدي والتشريعي للإسلام؛ فهو ليس هامشًا فقهيًا ولا مفهومًا عرضيًا، بل قيمة متكررة الحضور في القرآن والحديث والسيرة، مرتبطة بالثواب، والاصطفاء، وعلو المنزلة، والتمييز بين المؤمنين في درجات الالتزام. ولهذا ظل الجهاد، عبر القرون، أحد أكثر المفاهيم حضورًا في تشكيل الوعي الإسلامي التقليدي، سواء باعتباره واجبًا دينيًا، أو طريقًا للفلاح، أو وسيلة لحماية الدين وتوسيعه، وهو ما يفسر كثافة حضوره في النصوص المؤسسة وفي التجربة التاريخية الإسلامية معًا.

 

إن الأيديولوجيا الإسلامية ـ لا بوصفها توصيفًا سياسيًا منفصلًا تحت مسمى “الإسلاموية” ـ تقوم، في جوهرها النصي، على مفاهيم التكفير، والجهاد، والأسلمة، وسيادة الشريعة، وصولًا إلى تصور غائي يتمثل في إخضاع المجال الإنساني لمنظومة واحدة تنتهي بفكرة الخلافة الإسلامية.

 

ومن هنا، فإن الخلط المتعمد بين الإسلام والإسلاموية لا يبدو مجرد خطأ اصطلاحي، بل آلية متكررة لتخفيف وقع النصوص وتحييد آثارها الفكرية والسياسية. عند هذا الحد أتوقف، على أن أستكمل في المقال القادم عرض أمثلة أخرى تؤكد أن المسألة أوسع بكثير من مجرد اقتباسات متفرقة، وأن ما يُطرح هنا ليس إلا جزءًا محدودًا من بنية أكبر وأكثر تعقيدًا.

 

إن الأنسنة الحقيقية للدين الإسلامي لن تتأتَّى أبدًا إلا ببداية طريق نهايته حذف الكثير والكثير من السور والآيات التي تؤسس لكل ما نتحدث عنه. فمتى سنبدأ إذن؟


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading