بقلم: كاتب صحفي
لا يمكن بناء دولة الحق والقانون برأسين؛ رأس يُطبق القانون بصرامة على عموم المواطنين، ورأس يغض الطرف عن خروقات تولد وتكبر داخل أسوار “العمالة”. ما يحدث اليوم في إقليم خريبكة، وتحديداً في كواليس ملف جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي وأعوان السلطة وما يحيط بـ “مركز جسر” من علامات استفهام، لم يعد مجرد تدبير محلي متعثر، بل أضحى مساً بليغاً بمصداقية الإدارة الترابية ومبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
لقد حظيت وزارة الداخلية، باعتبارها أم الوزارات، بثقة ملكية عمياء وصلاحيات دستورية واسعة لجعلها الحصن المنيع لحماية المال العام، والضامن الأسمى لنزاهة المحطات الديمقراطية كالإنتخابات. لكن، حين يتحول هذا الجهاز محلياً، وتحت أنظار عامل الإقليم والكاتب العام، إلى مظلة تحتمي تحتها جمعية موظفي السلطة من خروقات تعمير وتدبير ظلت “حبيسة الرفوف”، فإننا أمام معضلة حقيقية تتطلب جراحة إدارية عاجلة.
إن معاقبة الجمعية المسيرة لمركز “جسر” مع استمرار التستر على خروقات التعمير للجمعية الأخرى، يعكس “ازدواجية في المعايير” تزعزع ثقة المواطن. كيف يستقيم هذا الصمت والإقليم مقبل، بعد المحطات التشريعية، على أوراش تنموية واقتصادية ضخمة ستديرها الشركات الإقليمية والجهوية؟ كيف يمكن ائتمان ميزانيات ملايين الدراهم لمشاريع مهيكلة في بيئة محلية تمنح “الحصانة المفترضة” لبعض المحظوظين لمجرد أنهم ينتمون لجسم الإدارة؟
أمام هذا الوضع المقلق، تتجه الأنظار اليوم صوب الرباط، وتحديداً نحو مكتب وزير الداخلية المعروف بصرامته، وإلى مديرية العمال والولاة بالإدارة المركزية. إن الرهان المعقود على هذه المصالح المركزية لا يكمن في مراقبة الوضع عن بُعد، بل في تفعيل لجان التفتيش المركزية التابعة للمفتشية العامة للإدارة الترابية، لنبش تلك الملفات التي طالها الغبار في رفوف عمالة خريبكة، وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني.
إن الرأي العام المحلي لا ينتظر أقل من زلزال إداري ينهي زمن “المحاباة المحلية”، ويرتب الجزاءات في حق كل من ثبت تورطه في هدر المال العام أو التستر على خروقات التعمير، أياً كان منصبه أو درجته في السلم الإداري. فإصلاح قطاع تدبير الشأن المحلي يبدأ حتماً من تنقية البيت الداخلي للإدارة؛ فلا حصانة لفاسد، ولا رفوف في مغرب اليوم تتسع لملفات خرق القانون.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



