غرف العمليات الإعلامية والبروفايل التقني المفبرك: تفكيك “الأساطير الرقمية” في ملف بيغاسوس

abdelaaziz6منذ 5 ساعاتآخر تحديث :
غرف العمليات الإعلامية والبروفايل التقني المفبرك: تفكيك “الأساطير الرقمية” في ملف بيغاسوس

لا يمكن قراءة الحملات الإعلامية الموجهة ضد الدول كأحداث معزولة؛ بل هي في العمق نتاج غرف عمليات مشتركة تُفتح وتُغلق بـ “ريموت كنترول” سياسي محكم.

إن التزامن السحري الأخير يثير الكثير من علامات الاستفهام الاستخباراتية والسياسية. فملف ما يُسمى ببرنامج “بيغاسوس” ظل راكداً في رفوف القضاء الأوروبي لثلاث سنوات دون أن يتحرك خطوة واحدة للأمام لسبب تقني وقانوني بسيط: غياب الأدلة الجنائية القاطعة.

لكن، فجأة وبمجرد أن حطت طائرة الوزراء الفرنسيين في الرباط لترسيخ شراكة استراتيجية جديدة وبناء تحالفات القرن القادم، يخرج علينا ما يُسمى “تحقيق استقصائي دولي” ليعيد تدوير نفس الأساطير القديمة.

المفارقة المضحكة المبكية هنا، هي أن هذا التحقيق كشف بغير قصد أن أجهزة الأمن الفرنسية نفسها كانت تفاوض بين عامي 2019 و2020 لشراء نفس البرنامج بقيمة تقارب 80 مليون يورو! كيف يتحول البرنامج إلى “سلاح دكتاتوري شرير” عندما يُلصق بالمغرب، بينما كان “أداة سيادية لمكافحة الإرهاب” عندما حاولت باريس الحصول عليه؟

أولاً: الفوبيا الاستراتيجية وضرب الشراكة الجيوسياسية

دعونا نتحدث بوضوح جيوسياسي لا غبار عليه. هناك أطراف في المنطقة، وفي كواليس بعض الدول الأوروبية، تعيش حالة من “الفوبيا الاستراتيجية” من الاستقرار المغربي والتقارب الفرنسي المغربي الأخير.

حسم المعركة الدبلوماسية: عندما اعترفت باريس بمغربية الصحراء وضخت استثمارات هائلة في الأقاليم الجنوبية، أدرك خصوم المملكة أن المعركة الدبلوماسية قد حُسمت لصالح الرباط.

الابتزاز الإعلامي وسيلة ضغط: لم يتبقَ لهؤلاء الخصوم سوى سلاح واحد: التشويش الإعلامي وابتزاز الدول. الهدف من توقيت النشر ليس حقوق الإنسان، بل هو محاولة بائسة لصناعة “ضغط شعبي” داخل فرنسا لإحراج الوفد الفرنسي في الرباط ووضع عقبات أمام الشراكة الاستثنائية.

إنهم يريدون إجبار صانع القرار الفرنسي على التراجع، أو على الأقل إظهاره بمظهر الضعيف أمام رأيه العام. لكن الرد المغربي-الفرنسي المشترك جاء عملياً وصادماً لمهندسي هذه الحملة: الزيارة استمرت، والاتفاقيات وُقعت، والمصالح العليا للدولتين أثبتت أنها أقوى بكثير من تقارير صحفية كُتبت في غرف مظلمة ممولة.

ثانياً: الشهادة التقنية ودحض خرافة “كاميرات التكييف”

بصفتي خبيراً في الأمن السيبراني والاستخبارات الإلكترونية، وبناءً على مشاركتي المباشرة والشخصية في تحقيق فني تقني بفرنسا بطلب من جمعية حقوقية دولية حول هذا الملف بالذات، أتحمل مسؤوليتي العلمية لأؤكد: لا يوجد دليل رقمي واحد يربط المغرب بـ “بيغاسوس”.

في علم الأدلة الجنائية الرقمية (Digital Forensics)، إذا أردت إدانة دولة بشن هجوم سيبراني، يجب أن تقدم أمرين لا ثالث لهما:

خوادم التحكم والسيطرة (C2): التي تُدار منها الهجمات وتحمل بصمة رقمية حصرية لتلك الدولة.

كود برمجيات خبيثة (Malware Code): يحمل توقيعاً مشفراً لا يملكه غيرها.

ما قدمه مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية هو مجرد “قوائم أرقام هواتف” منسقة في ملفات Excel! هل أصبحت ملفات الإكسيل أدلة جنائية؟ أي طالب في السنة الأولى هندسة معلوماتية يمكنه كتابة قائمة بألف رقم وادعاء أنها مستهدفة.

التحول الفكاهي في الرواية: عندما عجزوا تقنياً عن تقديم دليل واحد يقبله القضاء الأوروبي –وهو ما يفسر إغلاق المحاكم الإسبانية والفرنسية للملف مراراً– انتقلوا إلى سينما الخيال العلمي! وزعموا أن المغرب يزرع كاميرات مخفية داخل أجهزة التكييف للتجسس على المسؤولين.

من الناحية الهندسية والعملية، زرع كاميرات مادية داخل أجهزة التكييف في مكاتب سيادية أو سفارات في الخارج يتطلب اختراقاً أمنياً فيزيائياً مباشراً وعملاء على الأرض يقومون بالتركيب والصيانة وتأمين بث البيانات اللاسلكي دون كشفهم من أجهزة مكافحة التجسس المحلية. هذا يتناقض تماماً مع كذبة “التجسس الرقمي عن بعد”، ويؤكد الإفلاس الفني للتحقيق ومخاطبة عواطف الجماهير البسيطة بعد سحق المنطق العلمي.

ثالثاً: تعرية المبلّغ “سفير” والتوظيف الاستخباراتي الجاري

إذا نزعنا القناع عن البنية البشرية لهذا التقرير الكاذب، نجد أن التحقيق يتبجح بوجود “مُبلّغ من داخل الاستخبارات المغربية” يطلق عليه الاسم الرمزي “سفير”.

من هو “سفير” هذا في الواقع؟ إنه شخص مقيم في كندا، لا علاقة له بالعمل الاستخباراتي من قريب أو بعيد. هو مجرد مواطن تلاحقه سوابق قضائية ثقيلة ومذكرات بحث بتهم النصب والاحتيال وسرقة أموال مواطنين ورجال أعمال في المغرب وفي دول الخليج. شخص هارب من العدالة يبحث عن أي غطاء سياسي أو حقوقي ليحمي نفسه من التسليم ويسدد ديونه.

والأخطر من ذلك، تم نشر وتداول مقاطع فيديو ووثائق مسربة بالدليل القاطع، تظهر لقاءات واجتماعات دورية سرية بين هذا الشخص وعناصر أمنية ودبلوماسية تابعة مباشرة للسفارة الجزائرية في عواصم أوروبية. الصورة أصبحت واضحة كالشمس: جهاز استخبارات دولة جارة يبحث عن أي هارب أو محتال، يموله، يلقنه سيناريو كاذب، ثم يقدمه للصحافة الغربية كـ”مبلغ منشق” لتمرير أجندة عدائية ضد المغرب.

رابعاً: هندسة “البرود الاستراتيجي” وإحباط فخ الفوضى الإعلامية

تكتيك الخصوم لم يتوقف عند الفبركة الرقمية والشهادات الزائفة، بل حاولوا صناعة “صدمة أمنية ميدانية” على أرض المغرب بالتزامن مع نشر التقرير وزيارة الوزراء الفرنسيين.

الخطة كانت خبيثة ومدروسة بدقة: تم الدفع بالمعارض ع.م لزيارة المغرب في نفس توقيت نشر التحقيق وتواجد الوفد الفرنسي بالرباط.

السيناريو المتوقع من الخصوم: تمنوا أن تقوم السلطات الأمنية المغربية باعتقاله فور دخوله بسبب تصريحاته السابقة. في تلك اللحظة، تبدأ الآلة الإعلامية الفرنسية المتربصة بالصراخ: “انظروا.. المغرب يعتقل المعارضين في نفس اللحظة التي يتواجد فيها وزراؤنا بالرباط ويتجسس علينا ببيغاسوس!”، وذلك بهدف إحراج الوفد الفرنسي وإفساد الزيارة التاريخية.

الواقع والمقاربة السيادية: ما حدث كان درساً في “البرود الاستراتيجي واليقظة السيادية”. الدولة المغربية فطنت للمخطط مبكراً وتجاوزت الفخ بمنتهى الهدوء. دخل علي المرابط، وتحرك بحرية، ولم يلتفت إليه أحد، ومرت زيارته كحدث تافه لا قيمة له، مما سلب من خصوم المملكة المادة الدسمة التي كانوا يحضرون لاستغلالها.

خلاصة سيادية

إن الرسالة الموجهة للجميع اليوم واضحة تماماً: المغرب، بقيادته ومؤسساته الأمنية والسيادية، تجاوز بكثير مرحلة الابتزاز الإعلامي أو محاولات الضغط بورقة حقوق الإنسان أو التقارير المفبركة.

العلاقات الدولية للمملكة تُبنى اليوم على أسس صلبة من الندية، المصالح المشتركة، والاعتراف بالحقوق التاريخية والميدانية. وتوقيت هذه الحملات البائسة لن يغير من الواقع شيئاً: الصحراء في مغربها، والمغرب في صحرائه، والتقارب الدبلوماسي مع القوى الدولية مستمر، والسيادة الرقمية والأمنية للمملكة تحت السيطرة الكاملة بأيدي أبنائها المخلصين.

الدكتور الطيب هزاز

خبير في الامن السيبراني والاستخبارات الالكترونية


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة