كرة القدم في النظام الدولي المعاصر: بين رهانات القوة الناعمة وإشكاليات  التوظيف السياسي

abdelaaziz618 يوليو 2026آخر تحديث :
كرة القدم في النظام الدولي المعاصر: بين رهانات القوة الناعمة وإشكاليات  التوظيف السياسي

نعيمة عتماني: باحثة في علم الأديان، ورئيسة قسم حوار الثقافات بمركز الحكمة للدراسات الدينية وحوار الحضارات المغرب.

لم تعد كرة القدم في النظام الدولي المعاصر مجرد نشاط رياضي تحكمه قواعد المنافسة وحدود المستطيل الأخضر، بل تحولت إلى ظاهرة عالمية مركبة تتقاطع داخلها أبعاد سياسية وثقافية واقتصادية ورمزية، لتغدو إحدى أكثر الفضاءات قدرة على التأثير في تشكيل الوعي الجماعي وصناعة التمثلات المتعلقة بالدول والشعوب. فهذه اللعبة الرياضية التي تستقطب مئات الملايين من المتابعين حول العالم لم تعد معزولة عن ديناميات العلاقات الدولية، بل أصبحت جزءا من أدوات التأثير غير المباشر التي توظفها الدول لتعزيز حضورها الرمزي وبناء صورتها الخارجية.

فالمواجهة الكروية، وإن بدت في ظاهرها تنافسا رياضيا محضا، تحمل في عمقها شبكة من الدلالات التي تتجاوز النتيجة الرقمية للمباراة؛ إذ تتحول إلى فضاء لإنتاج الرموز، والتعبير عن الهويات، واستحضار الذاكرة الجماعية، وإعادة تشكيل الصور الذهنية حول الأمم والمجتمعات. ومن هذا المنظور، انتقلت كرة القدم من مجال الترفيه الجماهيري إلى مجال استراتيجي ضمن أدوات القوة الناعمة، حيث أصبحت الدول تستثمر في جاذبيتها الرياضية والثقافية باعتبارها وسيلة لتعزيز المكانة الدولية والتأثير في الرأي العام العالمي.

وتتجلى أهمية كرة القدم ضمن منظومة القوة الناعمة في قدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، والوصول إلى الجماهير بلغة رمزية مشتركة لا تحتاج إلى وسائط تفسيرية. فهي تمثل إحدى القنوات الأكثر فعالية لبناء القبول الدولي، وتعزيز صورة الدولة، وترسيخ سرديات مرتبطة بالتقدم والانفتاح والحداثة. لذلك، لم يعد الاستثمار في الأندية العالمية مجرد خيار رياضي، بل تحول إلى رهان استراتيجي يدخل ضمن حسابات الدول لتعزيز نفوذها وتحسين تموقعها داخل النظام الدولي.

وقد أفرز هذا التحول بروز مفهوم الدبلوماسية الرياضية باعتباره أحد أشكال التفاعل الجديدة في العلاقات الدولية، حيث أصبحت الأحداث الرياضية الكبرى مناسبات لإبراز القوة الرمزية للدول، وفتح قنوات للتواصل، وبناء شبكات من التأثير تتجاوز الأدوات الدبلوماسية التقليدية. فتنظيم كأس العالم أو الألعاب الأولمبية، على سبيل المثال، لا يرتبط فقط بالجانب التنظيمي أو الاقتصادي، بل يمثل فرصة لإعادة تقديم الدولة أمام العالم، وتسويق نموذجها الثقافي والحضاري، وتعزيز رصيدها الرمزي وشرعيتها الدولية.

غير أن الحضور المتزايد لكرة القدم في المجال الدولي لم يخل من أبعاد أخرى مرتبطة بالتوظيف الأيديولوجي والسياسي. فقد أصبحت المنافسات الرياضية في العديد من السياقات محملة برسائل تتجاوز بعدها الرياضي، حيث تتداخل فيها قضايا الهوية، والذاكرة التاريخية، والصراعات الجيوسياسية، والتنافس بين النماذج السياسية والثقافية. كما ساهم الفضاء الرقمي في مضاعفة هذا التأثير، إذ تحولت الأحداث الرياضية إلى منصات لإنتاج السرديات السياسية، وتوجيه الرأي العام، وتعزيز مواقف جماعية تتجاوز حدود الملعب.

ولا تعد علاقة الرياضة بالسياسة ظاهرة جديدة، فقد شكلت المنافسات الرياضية خلال فترة الحرب الباردة مجالا للصراع الرمزي بين القوى الكبرى، حيث أصبحت الانتصارات الرياضية تقرأ أحيانا باعتبارها دليلا على تفوق نموذج سياسي أو أيديولوجي معين. ومع ذلك، أظهرت الرياضة في محطات تاريخية أخرى قدرتها على أداء أدوار بناءة في العلاقات الدولية، من خلال المساهمة في تخفيف التوترات وفتح مسارات للحوار.

 وتعد تجربة “دبلوماسية البينغ بونغ” بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين مثالا بارزا على قدرة الرياضة على تمهيد الطريق لتحولات سياسية كبرى، عندما تعجز القنوات الدبلوماسية التقليدية عن تجاوز حالة الجمود.

لكن الوجه الآخر لهذا التداخل يكشف عن حدود ومخاطر توظيف كرة القدم خارج سياقها الرياضي، خاصة عندما تتحول إلى أداة للدعاية السياسية أو التعبئة الأيديولوجية أو إعادة إنتاج الانقسامات المجتمعية. فحين تصبح المنافسات الرياضية امتدادا للصراعات السياسية، أو تتحول الجماهير والمنصات الرقمية إلى فضاءات لنشر خطاب الكراهية والإقصاء، تفقد اللعبة جزءا من بعدها الإنساني، ويتراجع دورها كجسر للتواصل لصالح منطق الاستقطاب.

فإن الرهان الأساسي الذي يواجه كرة القدم في النظام الدولي المعاصر يتمثل في تحقيق التوازن بين توظيفها كأداة للقوة الناعمة وبين الحفاظ على استقلاليتها الأخلاقية والإنسانية. فالقيمة الحقيقية لهذه اللعبة الرياضية لا تكمن فقط في قدرتها على إفراز أيقونات رياضية وصناعة أمجاد كروية، بل في تحولها إلى فضاء رمزي تتفاعل داخله الثقافات والهويات، وتبنى عبره جسور التواصل الإنساني التي تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.

ولذلك، فإن صون البعد الحضاري لكرة القدم يظل شرطا أساسيا لضمان استمرارها كإحدى أكثر أدوات الدبلوماسية العالمية تأثيرا، وكوسيلة لتعزيز التقارب بين الشعوب، وترسيخ الحوار المشترك، وبناء جسور الثقة داخل عالم تتزايد فيه رهانات التنافس على التأثير والاستقطاب. فعندما تتأسس على مبادئ الاحترام والتنافس النزيه والتكامل الإنساني، تتجاوز أبعاد المنافسة الرياضية لتصبح قوة رمزية قادرة على الإسهام في بناء علاقات دولية أكثر انفتاحا وتواصلا.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة