إقليم خريبكة وتراجيديا سبتمبر 2026: في هجاء الركود، وسلطان الولاء، ومقاعد “المثلث الحزين”

abdelaaziz6منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
إقليم خريبكة وتراجيديا سبتمبر 2026: في هجاء الركود، وسلطان الولاء، ومقاعد “المثلث الحزين”

​بقلم: وهيبة الوردي

​مع اقتراب الساعة الصفر لاستحقاقات الثالث والعشرين من سبتمبر 2026، يعود إقليم خريبكة ليقف أمام مرآته السياسية والتاريخية، لا ليقدم للعالم نموذجاً في الدينامية الديمقراطية أو تلاقح الأفكار والبرامج التنموية، بل ليعيد إنتاج نفس الفصول من رواية “الهندسة الانتخابية التقليدية” التي سئمت الساكنة تفاصيلها المكررة. في عاصمة الفوسفاط، يبدو المشهد العام هادئاً كبحيرة راكدة تحت شمس حارقة، لكنه هدوء زائف يخفي في عمقه صراعاً مرشحاً للاشتعال، صراعاً تحكمه موازين القوى القبلية، سطوة المال، وسلطان الولاءات الشخصية التي ما فتئت تنتصر – عبر التاريخ المحلي – على الشعارات الحزبية والوعود الوردية. إننا أمام ستة مقاعد برلمانية معروضة في سوق التنافس برسم الدائرة المحلية لخريبكة؛ وهي مقاعد لا تكمن قيمتها اليوم في قيمتها التمثيلية التشريعية، بقدر ما تكمن في كونها مرآة تعكس صراع “البقاء السياسي” لنخبة هرمة ترفض الترجل، ومحاولة “إثبات ذات” خجولة لبعض الوجوه الصاعدة في إقليم يعيش على وقع مفارقة تنموية صارخة ومؤلمة.

​في بورصة التوقعات والتحليلات المتواترة، يكاد المتتبعون للشأن المحلي يجمعون على قراءة استباقية تصنف المقاعد الستة إلى فئتين لا ثالث لهما: أربعة مقاعد ينظر إليها الأعيان وكأنها “محسومة ومضمونة في الجيب” قبل حتى أن تبدأ عملية الفرز، واثنان يقعان “تحت المجهر” في مهب الريح السياسية والمناورات السرية. هذه الحتمية الانتخابية للمقاعد الأربعة الأولى لا تنبع، بكل تأكيد، من جاذبية الأحزاب التي يمثلها أصحابها، ولا من حصيلتهم في قبة البرلمان التي يجهلها المواطن البسيط، بل تعود بالأساس إلى “الآلات الانتخابية” الرهيبة التي يمتلكها هؤلاء الأعيان؛ وهي خريطة رسمت خطوطها العريضة بريشة النفوذ العائلي والامتداد العضوي داخل الجماعات الترابية، حيث نجح هؤلاء في تحويل الولاء لشخصهم إلى رأسمال سياسي عابر للمحطات. أما المقعدان الخامس والسادس فهما “منطقة التماس المحرمة” وساحة الصراع الحقيقي؛ هناك حيث تسيل دماء الأحزاب السياسية الطامحة للحفاظ على ماء الوجه، وتتحرك حسابات “العتبة” القاتلة، وتلعب أصوات “أكبر بقية” دورها كحكم مقصلة في اللحظات الأخيرة من ليل الانتخابات الطويل.

​وهنا ينفتح الجرح الغائر للإقليم على جراحه الجغرافية والبشرية؛ فخريبكة ليست كتلة متجانسة، بل هي عبارة عن “مثلث نفوذ” تتقاسم أقطابه ثلاثة مراكز حضرية كبرى: خريبكة المركز، ووادي زم، وأبي الجعد. هذا التوزع المجالي يفرض منطقاً جريحاً في حسم المقعدين المتأرجحين، حيث تتحول جغرافيا الإقليم إلى جبهات حرب صامتة. ففي خريبكة المدينة، الخزان الأكبر للأصوات وموطن عمال الفوسفاط، تضيع الأصوات وتتشتت بين مرشحين كثر وتتحكم فيها المصالح الضيقة، مما يجعل تأمين العتبة فيها رهان نجاة لا غير. وعلى الجانب الآخر، تنتصب وادي زم – القلعة التاريخية العتيدة ومحيطها من قبائل “السماعلة” و”بني سمير” – بسلوك انتخابي متمرد يرفض التهميش؛ فإذا استشعرت الساكنة هناك أن المركز في خريبكة يحاول الاستئثار بالتمثيلية الإقليمية، يتحرك تصويت عقابي عفوي وشرس انتصاراً لـ “ابن الدائرة” وحسابات الكرامة الانتخابية. وفي الضلع الثالث من المثلث، تبرز أبي الجعد وعمقها القروي في “بني زمور”، حيث يمتزج الولاء القبلي بالامتداد الروحي والصوفي والنفوذ المالي التقليدي، لتتحول الأصوات القادمة من هناك إلى أوراق “جوكر” حقيقية تحسم بالتحالفات السرية التي تعقد تحت جنح الظلام مصير المقاعد المتبقية.

​إن هذا التجييش الإقليمي يعري الحقيقة المرة: القبلية والنزعة المناطقية الضيقة هما التكنولوجيا الانتخابية الأقوى والأكثر تدميراً في الإقليم، فالمقعدان اللذان تحت المجهر لن يحسمهما نقاش فكري أو مشروع مجتمعي، بل ستحسمهما قدرة الأعيان على اللعب على أوتار صراع الهويات المحلية، وإطلاق شعارات من قبيل “ابن مدينتنا أولى بصوتنا”، وتوجيه أصوات القبائل بشكل جماعي (“البلّوك”) لصالح هذا الطرف أو ذاك. وتلك هي المفارقة التراجيدية الكبرى لإقليم خريبكة؛ إقليم يسبح فوق بحيرة من الذهب الأبيض ويدر الثروات على ميزانية الدولة، بينما تعيش نخبه السياسية ركوداً فكرياً عقيماً، ويغرق في صراعات جغرافية ضيقة بدل أن يتنافس الجميع حول رؤية تنموية شاملة تنتشل شبابه من بطالة خانقة ومستشفياته من تدهور كارثي وبنيته التحتية من هشاشة مزمنة. إن الركود السياسي هو النتيجة الحتمية لسيادة الولاء للأشخاص والقبيلة على حساب المشروع؛ فعندما يقتنع الناخب بأن غايته القصوى هي “خدمة شخصية” أو “وساطة” يقدمها النائب بدل سياسة عمومية تفرض العدالة المجالية، يفقد الفعل السياسي معناه ويتحول الاستحقاق إلى موسم تجاري بامتياز.

​وفي محصلة هذا المشهد، تظل سيناريوهات سبتمبر 2026 معلقة بين الموت السريري للعمل السياسي والمفاجأة المباغتة. فرغم أن المقاعد الأربعة تبدو محصورة داخل مربع النفوذ التقليدي، ورغم أن آلات الأعيان مشحونة ومستعدة، فإن المتغير الحاسم يبقى يدعى “كتلة الصامتين” وسلوك الناخبين الشباب. إذا استمر العزوف المعتاد، فإن دار لقمان ستبقى على حالها، وستوزع المقاعد بنفس الصيغة الكلاسيكية المملة ليرسخ الإقليم ركوده لخمس سنوات أخرى؛ أما إذا حدثت رجة وعي جماعي، وقرر المواطنون في مدن الإقليم الثلاث وقراه قطع الطريق أمام تجار القبلية والمال، فإن المقعدين اللذين تحت المجهر قد يتحولان إلى الشرارة التي تحرق الخارطة القديمة وتعيد رسم أفق جديد لعاصمة الفوسفاط. الكرة الآن ليست في يد الأحزاب ولا في يد الأعيان، بل هي في مرمى بنات وأبناء خريبكة ووادي زم وأبي الجعد: إما القبول بالركود كقدر محتوم، أو تحويل الصناديق إلى سوط يحاسب ويزلزل عروش التقليد.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading