بين نفوذ المال وتدافع الكفاءة: كيف تضبط “دولة الـ12 قرناً” صراع الأجنحة بالمغرب؟

abdelaaziz6منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
بين نفوذ المال وتدافع الكفاءة: كيف تضبط “دولة الـ12 قرناً” صراع الأجنحة بالمغرب؟

بقلم وهيبة وردي

في دهاليز السياسة وأروقة المال بالمغرب، لا تُحسم المعارك بالضربة القاضية، ولا تُقاس الانتصارات بزهو اللحظة العابرة؛ بل تُبنى القواعد على رقعة شطرنج معقدة تُدار أصولها بحكمة ممتدة لأكثر من اثني عشر قرناً من الزمان.

​في الآونة الأخيرة، يتردد في كواليس المشهد السياسي سؤالٌ يخفي خلفه عمق التدافع الصامت داخل مربع القرار: هل يُدار المشهد اليوم بمنطق صراع الأجنحة و”الغدر السياسي”، أم أن طموحات التمدد الاقتصادي والسياسي التي نسجتها صالونات البرجوازية قد اصطدمت جهاراً بجدار التاريخ وموازين الدولة العميقة؟

​صراع المدرستين: صالونات الثروة مقابل “عصامية” المغرب العميق

​لتفكيك خيوط هذه السردية، يتوجب العبور فوق المناكفات الحزبية الضيقة، والنفوذ إلى عمق التدافع الثقافي والاجتماعي بين مدرستين تشكلان العقل المالي والسياسي للبلاد:

​مدرسة البرجوازية والمال (نموذج أخنوش): وهي البيئة التي تلتقي فيها صالونات رجال الأعمال بشبكات المصالح وتجميع عناصر النفوذ. مدرسةٌ تسعى لتدبير الشأن العام بمنطق “المقاولة” والتوسع، وترى في السيطرة على المناصب والشركات والمؤسسات امتداداً طبيعياً لقوتها المالية، متناسيةً أن إدارة الدول تنطوي على تعقيدات اجتماعية لا تُحيط بها أسهم الشركات ولا منطق السوق.

​مدرسة الكفاءة والمغرب العميق (نموذج لقجع): البيئة القادمة من أقاليم التهميش والظل، حيث لا طريق للترقي الاجتماعي سوى التعليم العمومي الصارم، والجدية، والاجتهاد الأكاديمي والمهني. هذه المدرسة صعدت من أعمق مفاصل الدولة المالية والتنفيذية، وتسلحت بالنتائج الملموسة والنجاعة الميدانية، لتفرض نفسها كرقَمٍ تقني وشعبي لا يمكن تجاوزه عند الموازنات والتحديات الكبرى.

​عندما تصطدم “النتائج” بـ “رأس المال”

​هذا التقاطع الحاد بين البرجوازية المترابطة بالمال والتقنوقراطية الصاعدة من رحم الشعب، أدى إلى تصادم غير معلن خلف الأبواب المغلقة. فالأولى حاولت نقل منطق الاحتكار والتمدد إلى المؤسسات العامة والخاصة، بينما وقفت الثانية حائلاً عبر التحكم في مفاصل الأداء التنفيذي والمالي للدولة.

​وهنا تتجلى الحقيقة: ما يحدث ليس “غدراً” بفاعل، بل هو تفوقٌ طبيعي لمنطق “الكفاءة المسؤولة” على حسات “المال المتمدد”. فالبرجوازية المالية، مهما امتلكت من هيئات وشبكات، تصطدم دائماً بعجزها عن مجاراة الشرعية التي تمنحها العصامية والنتائج الملموسة أمام متطلبات الشارع والدولة على حد سواء.

​جدار الـ12 قرناً: الدولة التي لا تُرهن للثروة

​الفرضية الأهم التي غفلت عنها طموحات السيطرة واحتكار الكواليس هي العمق المرجعي للدولة المغربية.

​إن الملكية في المغرب، بعمقها التاريخي الممتد لأكثر من 12 قرناً، خبرت عبر مسارها الطويل كل أشكال نزوات النفوذ؛ من زعامات القبائل وشيوخ الزوايا، إلى كبار التجاريين وأصحاب الجاه.

​ولم تسمح المؤسسة العريقة عبر التاريخ برهن القرار الوطني لصالح الفاعل الاقتصادي وحده، أو تمكين أي طرف من الجمع المطلق بين السلطة والثروة بشكل يهدد التوازن الاستراتيجي والاجتماعي للبلاد. كلما بدا أن طرفاً يتجه نحو الهيمنة، تُفعل الدولة آلياتها التاريخية الخاصة لإعادة ضبط الإيقاع، وغالباً ما تتكئ على أطر “المغرب العميق” لإحداث هذا التوازن الصارم.

​رحيل الأسماء وتجدد الدولة

​في نهاية المطاف، تجيب السياسة المغربية عن كل الأسئلة الحائرة بلغة واحدة لا تتغير: “الأشخاص طارئون، والدولة استمرار”.

​قد يظن البعض أن المعركة تُحسم بجمع الثروة، أو بشراء الأحزاب، أو بالسيطرة على الهيئات وصالونات النفوذ؛ لكنهم يغفلون عن أن من يُدير قواعد اللعبة في هذا الوطن هو تاريخٌ عريق من الحكم والحكمة، يتقن حماية توازنه الاجتماعي والسياسي بصرامة لا ترحم الطموحات الزائدة.

​إن الصدام بين برجوازية السلطة وعصامية الكفاءة يعيد الجميع إلى الحقيقة الأولى: المال يُشيّد الشركات، لكن العقول والنتائج هي من تبني الدول. وفي وطن كالمغرب، تبقى النزوات الفردية ومحاولات السيطرة مجرد فقاعات عابرة في مجرى نهر التاريخ الكبير، بينما تظل المؤسسات العريقة وحدها الحصن، والضامن، والبوصلة التي لا تخطئ الاتجاه.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة