المحروقات.. لماذا يربط حزب الاستقلال حماية القدرة الشرائية بإصلاح السوق؟

abdelaaziz6منذ ساعتينآخر تحديث :
المحروقات.. لماذا يربط حزب الاستقلال حماية القدرة الشرائية بإصلاح السوق؟

لا يختلف اثنان على أن أسعار المحروقات أصبحت من أكثر القضايا التي تشغل الرأي العام المغربي، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على معيش المواطنين وعلى أسعار النقل والمواد الاستهلاكية والخدمات. لكن وسط هذا الإجماع على أهمية الملف، تختلف المقاربات بشأن الطريقة الأنسب لمعالجته.

فبين من يدعو إلى تدخل الدولة لتسقيف الأسعار، ومن يرى أن الحل يكمن في إعادة تنظيم السوق وضبط هوامش الأرباح، يبرز موقف حزب الاستقلال باعتباره اختيارا يقوم على معالجة الأسباب بدل الاكتفاء بمعالجة النتائج.

فالحزب، الذي جعل من الدفاع عن القدرة الشرائية أحد ثوابته السياسية، لا يرى تناقضا بين حماية المواطن والحفاظ على توازنات المالية العمومية، بل يعتبر أن الهدفين متكاملان ولا يمكن الفصل بينهما.

ومن هذا المنطلق، يرفض حزب الاستقلال أن تتحول الدولة إلى طرف يؤدي الفارق بين السعر الحقيقي للمحروقات والسعر الذي يؤديه المستهلك. فمثل هذا التوجه، بحسب الحزب، قد يمنح شعورا مؤقتا بالارتياح، لكنه لا يعالج أصل المشكلة، بل يرحلها إلى الميزانية العامة التي تمول أساسا من أموال المواطنين.

إن السؤال الذي يطرحه الحزب لا يتعلق بضرورة خفض الأسعار، فذلك مطلب مشروع يتقاسمه الجميع، وإنما يتعلق بالطريقة التي يتم بها هذا الخفض. هل من المنطقي أن تتحمل خزينة الدولة مليارات الدراهم لدعم الأسعار، بينما تستمر بعض الشركات في تحقيق أرباح مرتفعة؟ وهل من العدل أن يؤدي المواطن الضرائب، ثم يتحمل بشكل غير مباشر كلفة الدعم الذي تستفيد منه شركات خاصة؟

بالنسبة لحزب الاستقلال، فإن العدالة الاقتصادية تقتضي توزيعا منصفا للأعباء. ولذلك يدافع عن مقاربة مختلفة تقوم على تسقيف الأرباح عندما تصبح مبالغا فيها، وعلى تعزيز المنافسة ومحاربة الاحتكار، حتى تستعيد السوق توازنها الطبيعي.

ويعتبر الحزب أن الاقتصاد الحر لا يعني غياب الضوابط، كما أن تشجيع الاستثمار لا يعني التغاضي عن الاختلالات التي قد تضر بالمستهلك. فالمنافسة الحقيقية هي التي تسمح بخفض الأسعار بشكل طبيعي، وتمنع تحول السوق إلى مجال لتحقيق أرباح استثنائية لا تنعكس إيجابا على المواطنين.

ومن هذا المنظور، فإن تدخل الدولة يجب أن يركز على تقوية أجهزة المراقبة، وتفعيل قواعد المنافسة، وضمان الشفافية في تحديد الأسعار، بدل اللجوء إلى حلول قد تثقل كاهل المالية العمومية وتحد من قدرة الدولة على الاستثمار في قطاعات استراتيجية.

فالدولة، في نظر حزب الاستقلال، مطالبة اليوم بمواصلة تمويل مشاريع الحماية الاجتماعية، وتطوير المدرسة العمومية، وتحسين الخدمات الصحية، وتوفير البنيات التحتية الضرورية للتنمية. وكل هذه الأوراش تحتاج إلى موارد مالية كبيرة، الأمر الذي يجعل من الضروري توجيه المال العام إلى المجالات ذات الأولوية، لا إلى تعويض اختلالات السوق.

إن موقف حزب الاستقلال من ملف المحروقات لا ينفصل عن هويته السياسية والاجتماعية. فمنذ تأسيسه، ظل الحزب يدافع عن اقتصاد وطني قوي، وعن دولة اجتماعية عادلة، وعن سياسات عمومية تجعل المواطن في صلب الاهتمام.

ولهذا، فإن الحزب لا يطرح نفسه في مواجهة مطالب المواطنين، بل يعتبر أن الدفاع عن القدرة الشرائية يجب أن يتم وفق رؤية متكاملة تراعي الحاضر والمستقبل معا. رؤية تجعل من الإصلاح الاقتصادي وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية، ومن المنافسة الشريفة مدخلا لحماية المستهلك، ومن حسن تدبير المال العام شرطا لاستمرار الدولة في أداء أدوارها الاجتماعية.

إن النقاش حول المحروقات ليس مجرد نقاش حول الأسعار، بل هو نقاش حول النموذج الاقتصادي الذي يريده المغاربة. فهل المطلوب هو دولة تتدخل باستمرار لتغطية كلفة الاختلالات، أم دولة قوية تنظم السوق وتفرض قواعد عادلة على الجميع؟

بالنسبة لحزب الاستقلال، يبدو الجواب واضحا: حماية المواطن لا تتحقق فقط عبر خفض الأسعار، وإنما أيضا عبر بناء اقتصاد أكثر توازنا، وسوق أكثر شفافية، ودولة قادرة على حماية مصالح المجتمع دون التفريط في المال العام أو في متطلبات التنمية المستقبلية.

بديعة الادريسي


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading