*في المسافات الفاصلة بين القانون *28.08 ومشروع 66.23: “عصرنة” المحاماة أم “تقييد” لرسالة الدفاع؟*

abdelaaziz6منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
*في المسافات الفاصلة بين القانون *28.08 ومشروع 66.23: “عصرنة” المحاماة أم “تقييد” لرسالة الدفاع؟*

– بقلم الأستاذ كنزي سعد*

 

تطرح الهندسة الجديدة لمشروع القانون 66.23 تساؤلات جوهرية حول فلسفة التشريع المنظمة لمهنة المتاعب بالمغرب؛ فبعد سنوات من العمل بمقتضيات القانون 28.08 التي اتسمت بنوع من التقليدية المهنية، نجد أنفسنا اليوم أمام نص يتبنى “النزعة المؤسساتية الصارمة”. وتتجلى أولى تجليات هذا التحول في المادة الأولى التي، وإن حافظت على وصف المحاماة كمهنة حرة ومستقلة، إلا أنها أضافت “صبغة وظيفية” باعتبار المحامين **”جزءاً من أسرة القضاء”**. هذا التوصيف يحمل دلالات مزدوجة؛ فهو يرفع من القيمة الاعتبارية للمحامي، لكنه في المقابل يمهد الطريق لفرض قيود انضباطية تجعل من الدفاع “ترساً” في ماكينة قضائية تخضع لضوابط الإدارة أكثر من خضوعها لروح الانعتاق المهني.

وفيما يتعلق بشروط الولوج، أحدث المشروع انقلاباً جذرياً في “بروفايل” محامي الغد، حيث قفز بالعتبة العلمية من الإجازة إلى **”الماستر أو ما يعادلها”**، وحصر سن الولوج بين **21 و40 سنة** كحد أقصى. هذا التوجه نحو “النخبوية التقنية” ينهي حقبة التعدد في الروافد التي كرسها القانون 28.08 (الذي كان يسمح بالولوج حتى سن 45 وبالإجازة)، مما يطرح إشكالية حول تكافؤ الفرص وحول طبيعة المحامي المستقبلي الذي قد يصبح “تقنياً قانونياً” أكثر منه “مناضلاً حقوقياً”. ويُعزز هذا التوجه إحداث **”معهد تكوين المحامين”**، الذي سينقل ثقل التكوين من المكاتب المهنية إلى مؤسسة مركزية تشرف على التكوين الأساسي والمستمر، وهو مستجد ينهي عهد “شهادة الأهلية” التقليدية ويضع المهنة تحت رقابة أكاديمية رسمية.

أما في صلب الممارسة، فقد استجاب المشروع لمطالب قديمة عبر إقرار **”حصرية”** المحامي في تمثيل الإدارات العمومية والقيام بمهام الوساطة والتحكيم وتحرير عقود الشركات، وهي مكتسبات مادية ومعنوية غابت عن القانون 28.08. لكن هذا التوسع يقابله “تضييق” في هوامش التحرك المهني عبر “الرقمنة القسرية”؛ فاعتماد **”الحساب المهني الإلكتروني”** كمرجع وحيد للتبليغ يضع المكاتب أمام مسؤولية تقنية جسيمة، حيث يتحول “العطب التقني” إلى خطر مهني قد يترتب عنه بطلان الإجراءات، وهو تحدٍ لم يكن مطروحاً في ظل المساطر الورقية للقانون السابق.

ولعل الملف الأكثر إثارة للجدل هو “تآكل السيادة المهنية” لصالح **”الوصاية القضائية”**. فمشروع 66.23 عزز بشكل لافت سلطة النيابة العامة، ممثلة في **الوكيل العام للملك**، في مراقبة التدبير المالي للهيئات ومكاتب المحامين. إن إلزام النقيب بتبليغ نتائج المراقبة الدورية لحسابات “الودائع والأداءات” إلى الإدارة القضائية يعد خرقاً لجدار الاستقلالية الذي بناه القانون 28.08. هذا التحول نحو “الشفافية المالية” المفرطة قد يُستخدم كأداة للضغط المهني، ويجعل أسرار المكاتب وحركاتها المالية تحت مجهر السلطة، مما يهدد سرية العلاقة بين المحامي وموكله التي هي قدس أقداس هذه المهنة.

ختاماً، يمكن القول إن مشروع القانون 66.23 يمثل انتقالة من “المحاماة التقليدية” إلى “المحاماة المؤسساتية” الخاضعة لدفاتر تحملات تقنية ومالية صارمة. وبينما يفتح آفاقاً للتخصص والمنافسة الدولية عبر الشركات المدنية المهنية، فإنه يضحي بهوامش واسعة من الحرية التي كانت تجعل من المحامي صوتاً حراً فوق أي رقابة إدارية. إن التحدي القادم ليس في نصوص القانون بقدر ما هو في قدرة الجسم المهني على حماية “روح الدفاع” من أن تذوب في قوالب “النجاعة القضائية” التي يريد المشرع فرضها.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading