في قلب جماعة أولاد امطاع بإقليم الحوز، تنبعث من داخل مدرسة زاوية سيدي علي أوحماد الخاصة للتعليم العتيق أصوات تلاوة عذبة لآيات الذكر الحكيم، يرددها عشرات الطلبة في حلقات متراصة، في أجواء روحانية تطبع هذا الفضاء التربوي الذي جعل من تحفيظ القرآن الكريم رسالته الأساسية.
وتعد هذه المؤسسة القرآنية، التي أسست منذ ما يقارب قرنا من الزمن، من بين المدارس العتيقة التي أسهمت في ترسيخ تقاليد التعليم الديني بالمنطقة، حيث تواصل أداء رسالتها في تكوين أجيال من حفظة كتاب الله والمتشبعين بالقيم الدينية والوطنية.
داخل قاعات الدراسة، يجلس الطلبة في صفوف منتظمة يراجعون محفوظاتهم من القرآن الكريم، بينما يتنقل الأساتذة بين الحلقات لتصحيح التلاوة وتلقين مبادئ العلوم الشرعية واللغوية، في مشهد يعكس عراقة هذا النمط التعليمي وارتباطه بالهوية الدينية للمجتمع المغربي.
وفي هذا السياق، قال الطالب محمد ڭروان، المنحدر من جماعة بوابوض بإقليم شيشاوة، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إنه يتابع دراسته بهذه المدرسة منذ حوالي ثلاث سنوات، تمكن خلالها من حفظ القرآن الكريم كاملا حفظا متقنا، إلى جانب دراسة بعض العلوم الشرعية.
وأضاف أن الأطر التربوية بالمؤسسة تبذل جهودا كبيرة لمواكبة الطلبة ودعمهم، مشيرا إلى أن القائمين على المدرسة يوفرون لهم مختلف الاحتياجات الأساسية، من طعام وملبس، مما يساعدهم على التفرغ للتحصيل العلمي.
وتستقبل المدرسة برسم الموسم الدراسي الحالي نحو 160 طالبا، قادمين من مختلف الجماعات المجاورة، حيث توفر لهم المؤسسة نظاما داخليا يشمل الإيواء والإطعام، بهدف الحد من الهدر المدرسي وتمكينهم من متابعة دراستهم في ظروف ملائمة.
وتتوفر المؤسسة، التي يشرف على تسييرها طاقم إداري وتربوي (9 أساتذة لتحفيظ القرآن الكريم و10 أساتذة لتلقين المواد اللغوية والشرعية)، على عدد من المرافق الضرورية، من بينها قاعات للتدريس ومراقد للطلبة ومطعم، إضافة إلى قاعة للإعلاميات ومسجد للصلاة، مما يتيح للطلبة الجمع بين التحصيل العلمي والعيش في بيئة تربوية متكاملة.
وفي هذا الإطار، أوضح نائب المشرف على المدرسة، عبد اللطيف الطويل، أن المؤسسة عُرفت أساسا، بتحفيظ القرآن الكريم وفق نظام التعليم العتيق، وقد تم إدماجها ضمن هذا النظام سنة 2007 في سلك التعليم العتيق الابتدائي، مشيرا إلى أن عدد خريجيها منذ سنة 1999 إلى اليوم بلغ حوالي 4000 طالب حفظوا كتاب الله.
وأكد أن هذه المؤسسة تواصل أداء رسالتها التربوية والدينية بفضل الرعاية التي يحظى بها قطاع التعليم العتيق في المغرب، تحت قيادة أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى جانب جهود وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دعم هذا القطاع.
وأشار إلى أن عددا من خريجي المدرسة واصلوا دراستهم في مؤسسات ومعاهد عليا داخل المغرب وخارجه، فيما تابع بعضهم دراستهم في دول أخرى، من بينها مصر، حيث حصل عدد منهم على شواهد عليا وتولوا مناصب مهمة في مجالات الحياة العلمية والمهنية.
ولا تنحصر رسالة المدرسة في تحفيظ القرآن الكريم وتلقين العلوم الشرعية فحسب، بل تمتد أيضا إلى تنمية مهارات الطلبة وصقل قدراتهم في مجالات متعددة، بما يعكس صورة متجددة للتعليم العتيق المنفتح على العصر والساعي إلى تكوين فقيه متشبع بقيم الوسطية والاعتدال.
وفي هذا الصدد، أوضح المنشط التربوي بالمؤسسة، رشيد الخنيفري، أن عددا من الطلبة الذين حفظوا القرآن الكريم داخل المدرسة تمكنوا من تطوير قدراتهم في فنون الخطابة والمسرح، ما يعزز قدرتهم على التواصل مع المجتمع بمختلف اللغات، سواء العربية أو الأمازيغية أو حتى الفرنسية.
وأضاف أن المؤسسة تولي أهمية خاصة للأنشطة الرياضية، من خلال تنظيم دوريات في كرة القدم والعدو الريفي، فضلا عن تنظيم أنشطة ثقافية وتربوية متنوعة والاحتفاء بالأيام الوطنية والأعياد الدينية، بما يسهم في ترسيخ القيم الدينية والوطنية لدى الطلبة.
وفي أفق تطوير هذه التجربة التربوية، تطمح إدارة المدرسة إلى توسيع المؤسسة والارتقاء بها لتشمل سلكي التعليم الإعدادي والثانوي، إلى جانب إحداث قسم داخلي خاص بالفتيات، وذلك لتمكين أكبر عدد من التلميذات من متابعة دراستهن في هذا الصرح العلمي.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



