لا تأتي الكتابة، في أغلب تجلياتها، من حالات نشوة أو فرح، وإنما نتيجة انكسار وهزيمة وحرقة وضياع. ومن هذا المنطلق، كتبت خديجة تويزي باكورة أعمالها “كرز الحوز.. تحت أنقاض الزلزال” لتروي حكاية نسوة من إقليم الحوز مزقهن زلزال مهلك بقوة 6.8 درجة على مقياس ريختر، مسح البشر والذكريات كما مسح نطاقا شاسعا من الأرض العامرة.
قالت خديجة في مستهل كتابها السردي: “سأحكي في هذا الكتيب عن تلك اللحظات التي لن تنسى، عن القرى التي لم تعد كما كانت، وعن النساء اللاتي ظللن واقفات حينما سقط كل شيء”. هذه القصة التي تحكيها الكاتبة بمداد من ألم، ليست مروية لتوثيق الوجع فقط، ولكنها أيضا وثيقة حية للأمل والحياة بين أنقاض الموت. وفي ذلك قالت: “عندما تهتز الأرض تحت أقدامنا، تهتز معها كل ثوابتنا وأحلامنا وذكرياتنا (…) لكن وسط هذا الدمار، هناك شيء واحد لم يسقط؛ إرادة النساء القرويات، صمودهن، وإيمانهن بأن الحياة تستحق أن تعاش برغم الألم”، مستحضرة المعنى الإنساني العميق لعبارة محمود درويش الشهيرة: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.
ومن خلال سردها لما أضحت عليه حياة نساء دوار طاله الزلزال، تختصر الكاتبة معاناة آلاف النساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة في مواجهة الفقد والخوف والمجهول. فالحكايات الواردة في الكتاب، وإن بدت فردية في ظاهرها، تعكس في جوهرها تجربة جماعية عاشها سكان الحوز بكل تفاصيلها المؤلمة.
ولا يقتصر الكتاب على استعادة مشاهد الدمار والخسارة، بل يتجاوز ذلك إلى رصد مظاهر الصمود التي برزت وسط المحنة. فالمرأة القروية تحضر في النصوص باعتبارها حاملة للذاكرة وركيزة للأسرة، استطاعت أن تواجه آثار الكارثة بإرادة قوية، محافظة على تماسكها رغم حجم الفاجعة التي ألمت بها وبمحيطها.
وتكمن أهمية هذا الإصدار في كونه ينتمي إلى الأدب الذي يوثق الذاكرة الجماعية للحوز بعد الزلزال، حيث تتحول الشهادات والوقائع اليومية إلى مادة سردية تحفظ تفاصيل مرحلة استثنائية من تاريخ المنطقة. فالكتاب لا يسجل حدثا عابرا، بل يؤرخ لمرحلة ستظل حاضرة في وجدان السكان، بما حملته من آلام وخسائر، وبما أفرزته أيضا من قيم التضامن والتكافل والتشبث بالحياة.
أما من الناحية الفنية، فقد اختارت خديجة تويزي لغة سلسة وقريبة من القارئ، تجمع بين حرارة الشهادة الإنسانية وجمالية السرد الأدبي، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية. ويمنح هذا الأسلوب للنصوص صدقا خاصا، يجعل القارئ يعيش تفاصيل الحكايات ويتفاعل مع شخصياتها وأحداثها.
ويأتي “كرز الحوز.. تحت أنقاض الزلزال” باعتباره أول إصدار أدبي للكاتبة، لكنه يحمل وعيا واضحا بأهمية الكتابة بوصفها فعلا للمقاومة وحفظ الذاكرة. فمن بين الأنقاض والدموع، تنتزع الكاتبة قصصا صغيرة لأناس بسطاء، وتحولها إلى نصوص نابضة بالحياة، مؤكدة أن الأدب قادر على تحويل الألم إلى معنى، والفاجعة إلى ذاكرة، والوجع إلى أمل لا ينطفئ.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


