حرب الكواليس على مواقع التواصل: من يقود الرأي العام قبل انتخابات 2026؟

abdelaaziz6منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
حرب الكواليس على مواقع التواصل: من يقود الرأي العام قبل انتخابات 2026؟

بقلم:وهيبة الوردي

لم تعد الأحزاب السياسية وحدها الفاعل الرئيسي في تشكيل الرأي العام بالمغرب، ولم تعد الصحافة التقليدية المصدر الوحيد للمعلومة السياسية. فخلال السنوات الأخيرة برزت صفحات رقمية على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينها صفحات مثل “جبروت” وغيرها من المنصات المتخصصة في نشر التسريبات والمعطيات السياسية والكشف عن الصراعات والخلافات داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة. وقد نجحت هذه الصفحات في استقطاب جمهور واسع يتابع منشوراتها يومياً، وينتظر ما تنشره من وثائق أو معطيات أو معلومات تتعلق بالشأن السياسي.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026 يزداد تأثير هذه الصفحات بشكل ملحوظ، حيث أصبحت جزءاً من المشهد السياسي غير الرسمي، بل إن بعض المتتبعين يعتبرونها فاعلاً موازياً للأحزاب والنقابات ووسائل الإعلام. فبينما تعتمد الأحزاب على التجمعات والخطابات والبرامج الانتخابية، تعتمد هذه الصفحات على أسلوب مختلف يقوم على كشف ما يجري خلف الأبواب المغلقة وإيصال المعلومة إلى الجمهور بشكل سريع ومباشر.

وتبرز صفحات مثل “جبروت” كنموذج لهذا النوع من المنصات التي استطاعت بناء قاعدة متابعة واسعة من خلال تناول ملفات مرتبطة بالمنتخبين ورؤساء الجماعات والبرلمانيين ومسؤولي الأحزاب، إضافة إلى تتبع الصراعات المحلية والإقليمية المرتبطة بالانتخابات والتحالفات السياسية. كما ظهرت صفحات أخرى محلية وجهوية تلعب الدور نفسه داخل أقاليم ومدن معينة، حيث أصبحت مصدراً أساسياً للمعلومات بالنسبة إلى عدد من المواطنين أكثر من البلاغات الحزبية أو التغطيات الإعلامية التقليدية.

ويعود انتشار هذه الصفحات إلى التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقد الأخير. فالمواطن أصبح يبحث عن المعلومة السريعة والمباشرة، كما أن تراجع الثقة في جزء من الخطاب السياسي التقليدي دفع العديد من المتابعين إلى البحث عن مصادر بديلة لفهم ما يجري داخل المشهد السياسي. وفي هذا السياق وجدت صفحات التسريبات مساحة واسعة للانتشار مستفيدة من فضول الجمهور ورغبته في معرفة ما يحدث خلف الكواليس.

ولا يمكن إنكار أن بعض هذه الصفحات ساهمت في إثارة نقاشات عمومية حول قضايا التدبير المحلي والفساد وتضارب المصالح واستغلال النفوذ. ففي عدد من المناسبات أدت المعلومات المتداولة عبر هذه المنصات إلى دفع الرأي العام لمناقشة ملفات لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي. كما أنها خلقت نوعاً من الرقابة الشعبية المستمرة على المنتخبين والمسؤولين، وجعلت العديد منهم أكثر حذراً في قراراتهم وتحركاتهم.

غير أن هذا الدور الرقابي يصاحبه وجه آخر أكثر تعقيداً. فهذه الصفحات لا تخضع في الغالب للضوابط المهنية التي تحكم العمل الصحفي، كما أن مصادر المعلومات التي تعتمد عليها تبقى في كثير من الأحيان مجهولة بالنسبة إلى الجمهور. ولهذا فإن بعض التسريبات قد تكون دقيقة وصحيحة، بينما قد يكون بعضها الآخر ناقصاً أو مجتزأً من سياقه أو مرتبطاً بصراعات سياسية وانتخابية بين أطراف متنافسة.

وتزداد خطورة هذا الأمر مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتحول المعلومة إلى أداة للتأثير السياسي. فالتسريب الذي ينشر قبل أسابيع من الانتخابات قد يكون له تأثير أكبر من عشرات الخطب والتجمعات الحزبية. وقد يجد مرشح نفسه مضطراً للدفاع عن صورته أمام الرأي العام بسبب منشور انتشر على نطاق واسع، بينما يستفيد منافسه من ذلك دون الحاجة إلى خوض مواجهة سياسية مباشرة.

ومن جهة أخرى فإن كثرة الفضائح والتسريبات قد تؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في تعميق فقدان الثقة في العمل السياسي. فعندما يتابع المواطن بشكل يومي اتهامات متبادلة وملفات مثيرة للجدل تطال مختلف الأحزاب والتيارات، قد يقتنع بأن الجميع متشابهون وأن السياسة لم تعد مرتبطة بالمشاريع والبرامج بقدر ما أصبحت مرتبطة بالصراعات الشخصية والمصالح الانتخابية. وهذا ما قد يساهم في ارتفاع مستويات العزوف السياسي والانتخابي، خاصة في صفوف الشباب.

واللافت أن العديد من هذه الصفحات أصبحت تمارس تأثيراً يتجاوز أحياناً تأثير الفروع المحلية للأحزاب نفسها. ففي بعض الأقاليم والجهات يتابع المواطنون ما تنشره هذه المنصات لمعرفة أخبار التزكيات والتحالفات والتنقلات الحزبية أكثر مما يتابعون البلاغات الرسمية. وهو ما يجعلها طرفاً مؤثراً في رسم صورة المرشحين وتحديد أولويات النقاش العمومي.

ومع اقتراب انتخابات 2026 يبدو أن المغرب مقبل على مرحلة ستلعب فيها المنصات الرقمية دوراً حاسماً في توجيه الرأي العام. ولن يكون التنافس مقتصراً على الأحزاب والمرشحين فقط، بل سيمتد إلى الفضاء الرقمي حيث تتواجه الروايات والتسريبات والصور والمعطيات في معركة موازية قد تكون أكثر تأثيراً من الحملات الانتخابية التقليدية نفسها.

إن صفحات مثل “جبروت” وغيرها تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الممارسة السياسية بالمغرب. فهي من جهة تعزز حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات وتوسع دائرة الرقابة الشعبية، ومن جهة أخرى تطرح تحديات مرتبطة بالمصداقية وأخلاقيات النشر وحماية المسار الديمقراطي من التلاعب والتضليل. وبين هذين البعدين يبقى الرهان الحقيقي هو قدرة المواطن على التمييز بين المعلومة الموثقة والدعاية السياسية، وبين الرقابة المشروعة وحملات التأثير الموجهة، حتى تظل الانتخابات مناسبة للتنافس حول البرامج والرؤى لا مجرد ساحة لحروب التسريبات والفضائح


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading