الدروش  *تنقّل النخب أم سقوط المشروعية؟ قراءة في انتقال عبد الهادي خيرات بين الأحزاب

abdelaaziz6ساعة واحدة agoLast Update :
الدروش  *تنقّل النخب أم سقوط المشروعية؟ قراءة في انتقال عبد الهادي خيرات بين الأحزاب

بقلم: عزيز الدروش

 

 

في زمنٍ تتراجع فيه الثقة في العمل السياسي، وتتعاظم فيه فجوة الوعي بين المواطن والمؤسسات الحزبية، يطلّ علينا خبر التحاق السيد عبد الهادي خيرات بحزب حزب التقدم والاشتراكية، بعد سنوات طويلة داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ليطرح من جديد سؤال المشروعية، والوفاء للمبادئ، وحدود الأخلاق في الممارسة السياسية.

إنّ هذا الانتقال ليس حدثاً معزولاً، ولا حالة استثنائية، بل هو جزء من ظاهرة مقلقة باتت تُميّز ما يُسمّى ب *النخب السياسية*، التي تحوّلت عند كثير منها السياسة من رسالة نضالية إلى مهنة للارتزاق، ومن ساحة للتضحية إلى سوق للمناصب والامتيازات.

من مدرسة اليوسفي إلى منطق المصالح

لقد تَشكّل وعي أجيال من المناضلين داخل مدرسة الزعيم الوطني الكبير عبد الرحمن اليوسفي، مدرسةٍ قامت على النزاهة، والتواضع، وخدمة الوطن، وربط السياسة بالأخلاق.

فكيف لمن تربّى أو ادّعى التربّي داخل هذه المدرسة أن يقبل اليوم بمنطق الترحال الحزبي السريع، دون أيّ تفسير سياسي مقنع، أو مراجعة فكرية شجاعة، أو حتى اعتذار أخلاقي للمناضلين الذين آمنوا به؟

إنّ ما وقع لا يمكن قراءته إلا باعتباره تخلياً عملياً عن الإرث النضالي، واستبداله بحسابات ضيقة، لا علاقة لها لا باليسار، ولا بالديمقراطية، ولا بالعدالة الاجتماعية.

نخب بلا جذور وسياسة بلا بوصلة

حين ينتقل قيادي من حزب إلى آخر، دون مراجعة علنية، ودون مساءلة ذاتية، ودون تفسير للرأي العام، فإننا أمام نموذج للسياسي الموسمي، الذي يغيّر جلده حسب المناخ، ويتلوّن حسب موازين القوى.

هذه النخب:

لا تدافع عن مشروع مجتمعي واضح.

لا تنتمي فعلياً لمرجعية فكرية ثابتة.

لا تعتبر الحزب إطاراً نضالياً، بل سلّماً للترقية.

وهكذا تتحوّل الأحزاب من مدارس للتكوين السياسي إلى محطات عبور، ومن فضاءات للتأطير إلى وكالات للتوظيف السياسي.

هل هناك فرق بين نبيل بنعبدالله وإدريس لشكر؟

وهنا نصل إلى السؤال الجوهري: هل هناك فعلاً فرق جوهري بين نبيل بنعبدالله وإدريس لشكر؟

من حيث الخطاب، قد يبدو أن هناك اختلافاً. ومن حيث التاريخ، قد نجد تبايناً. لكن من حيث الممارسة السياسية الواقعية، تتقلّص المسافة بشكل مخيف.

كلاهما:

فشل في تجديد النخب.

همّش القواعد.

ركّز السلطة داخل دائرة ضيقة.

حوّل الحزب إلى ملكية شبه خاصة.

وفي ظل هذا الوضع، يصبح انتقال القيادات بين الحزبين مجرد تنقّل داخل نفس المنطق، ونفس الثقافة، ونفس الأزمة.

عبد الهادي خيرات: من مناضل مفترض إلى رمز للارتباك السياسي

إنّ التحاق عبد الهادي خيرات بحزب التقدم والاشتراكية لا يمكن تبريره بخطاب “الاختلاف في التقدير” أو “البحث عن فضاء جديد”.

لأن:

الرجل لم يقدّم أي نقد فكري واضح لتجربته السابقة.

لم يشرح أسباب قطيعته السياسية.

لم يعلن عن مشروع جديد.

بل بدا الأمر وكأنه انتقال إداري، لا سياسي. صفقة صامتة، لا موقف فيها ولا رؤية.

وهذا في حدّ ذاته إساءة لتاريخ اليسار، وإهانة لذكاء المواطنين، وخيانة لثقة المناضلين البسطاء.

أزمة أخلاق قبل أن تكون أزمة تنظيم

إنّ ما نعيشه اليوم ليس فقط أزمة أحزاب، بل أزمة قيم. أزمة صدق. أزمة وفاء. أزمة شجاعة.

حين يغيب:

الاعتراف بالأخطاء،

والمحاسبة الداخلية،

والربط بين السياسة والأخلاق،

تصبح النتيجة: نخب متحركة بلا جذور، وأحزاب بلا روح، وديمقراطية بلا مضمون.

الخلاصة: السياسة ليست سوقاً للترحال

إنّ السياسة ليست محطة قطار. ولا حقيبة سفر. ولا وظيفة مؤقتة.

السياسة موقف. والنضال التزام. والانتماء مسؤولية.

ومن لا يقدر على الوفاء لمساره، فالأجدر به أن ينسحب بصمت، بدل أن يقدّم نفسه نموذجاً للانتهازية السياسية.

أما المواطن المغربي، فقد بدأ يفهم اللعبة، ويقرأ بين السطور، ولن يُخدع طويلاً بشعارات فارغة ووجوه متكررة.

والتاريخ لا يرحم.

 

 

*من المستحيل بناء دولة قوية و ديمقراطية و عادلة بمؤسسات و أحزاب ينخرها الفساد والإستبداد والظلم والحكرة وأشياء أخرى*

 

 

عزيز الدروش محلل وفاعل سياسي


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

Breaking News

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading