النهار نيوز المغربية:ع الرزاق توجاني
في مراكش، لم يعد السؤال عن “شقة للكراء” مجرد استفسار عابر بين وسيط وصاحب منزل، بل أصبح عنوانًا لمعاناة صامتة تعيشها مئات الأسر يوميًا. المدينة التي كانت تُعرف بدفئها الاجتماعي وتنوع أحيائها، صارت اليوم مسرحًا لسباق محموم نحو الأسعار المرتفعة، حيث يتحول حلم الاستقرار إلى عبء ثقيل يرهق الجيوب ويستنزف الأعصاب.
وبات البحث عن سكن لائق بثمن معقول رحلة شاقة، تتخللها خيبات متكررة وشروط تعجيزية، في واقع يفرض على المواطن البسيط التكيف مع منطق سوق منفلت لا يعترف إلا بالأرقام، دون اعتبار لواقع اجتماعي يزداد هشاشة سنة بعد أخرى.
في عدد من أحياء المدينة، سواء المصنفة ضمن الفئة المتوسطة أو حتى الشعبية، عرفت السومة الكرائية ارتفاعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة. شقق بمساحات محدودة تُعرض بأثمنة تقارب أو تتجاوز نصف دخل أسرة متوسطة، فيما يُطلب من المكتري أداء تسبيق قد يصل إلى شهرين أو ثلاثة، إضافة إلى عمولة الوسيط وضمانات أخرى، ما يجعل ولوج السكن أشبه بحاجز مالي يصعب تجاوزه.
وتتعدد الأسباب وراء هذا الارتفاع، من بينها الإقبال المتزايد على الإيجار القصير الأمد الموجه للسياح، وهو ما قلّص العرض المخصص للكراء طويل الأمد، إضافة إلى ارتفاع تكاليف البناء وأسعار العقار. غير أن ما يزيد الوضع تعقيدًا هو غياب آليات واضحة لضبط السوق، ما يترك المجال مفتوحًا أمام المضاربة وتحديد الأسعار وفق منطق فردي لا يراعي التوازن الاجتماعي.
الأسر المتضررة تجد نفسها أمام اختيارات محدودة: إما القبول بسومة مرتفعة تفوق طاقتها، أو الانتقال إلى أحياء بعيدة عن مركز المدينة بحثًا عن أثمنة أقل، مع ما يرافق ذلك من أعباء إضافية مرتبطة بالنقل وتمدرس الأبناء والعمل. وهكذا تتحول أزمة الكراء إلى سلسلة من التحديات اليومية التي تمس جودة الحياة والاستقرار الأسري.
كما أن تداعيات الأزمة لا تقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي. تأجيل الزواج، توتر العلاقات الأسرية بسبب الضغط المالي، وتراجع الإحساس بالأمان السكني، كلها مؤشرات على أن المسألة لم تعد مجرد قضية عقارية، بل تحولت إلى إشكال مجتمعي يستدعي معالجة شمولية.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز مطلب إرساء توازن عادل بين حق المالك في الاستفادة من ملكه، وحق المواطن في سكن لائق بثمن معقول. فتنظيم سوق الكراء، وتشجيع برامج سكنية موجهة للطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود، ووضع آليات للوساطة والتأطير، تبقى خطوات ضرورية لإعادة الثقة إلى هذا القطاع الحيوي.
مراكش، المدينة التي تجمع بين التاريخ والسياحة والحركية الاقتصادية، مطالبة اليوم بأن تحافظ أيضًا على بعدها الاجتماعي والإنساني. لأن مدينة بلا استقرار سكني لساكنتها، تفقد تدريجيًا روحها… ويصبح فيها “منزل للكراء” أكثر من مجرد عنوان، بل معركة يومية يخوضها المواطن في صمت.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



