محمد الهروالي
أعاد اختفاء الاقتصادي الجزائري جلول سلامة بعد أيام من تصريحات تقنية شكك فيها في الجدوى الاقتصادية لمنجم غار جبيلات فتح نقاش واسع في الجزائر حول حدود حرية التحليل الاقتصادي، وحدود ما هو تقني وما يتحول إلى ملف سياسي مغلق.
سلامة وهو مهندس ودكتور في الاقتصاد وخبير في التسيير المالي اختفى عن الأنظار في ظروف غير معلنة دون صدور أي بلاغ رسمي يوضح وضعه القانوني أو الجهة التي تحتجزه.
وتواترت معطيات من معارضين جزائريين تفيد بوضعه رهن الحراسة النظرية لدى إحدى فرق الدرك الوطني بالعاصمة الجزائر في غياب مذكرة توقيف معلنة أو إشعار لعائلته أو لمحاميه ما أثار قلقا متزايدا في الأوساط الأكاديمية والحقوقية، وسط صمت رسمي تام.
ويعرف جلول سلامة بكونه خبيرا تقنيا غير منخرط في العمل السياسي أو الحزبي وسبق له الظهور المتكرر في وسائل الإعلام العمومية والخاصة لتحليل السياسات الاقتصادية والمالية للدولة.
وخلال مداخلته الأخيرة لم يطعن في مشروعية مشروع غار جبيلات من حيث المبدأ بل قدم قراءة تقنية ركزت على الإكراهات البنيوية المرتبطة به.
وسلط سلامة الضوء على كلفة النقل المرتفعة بسبب بعد المنجم عن الموانئ، وضعف البنية التحتية اللوجستية وضخامة الاستثمارات المطلوبة.
و أشار إلى أن تحقيق الربحية لا يمكن أن يكون إلا على المدى الطويل جدا ربما في أفق 2050 وهو تحليل ينسجم مع أدبيات الاقتصاد المنجمي المعروفة دوليا.
ودعا الخبير الجزائري إلى أولوية التصنيع المحلي وتحويل خام الحديد داخل الجزائر بدل تصديره في حالته الخام خصوصا بسبب معدلات الفوسفور المرتفعة فيه لما لذلك من أثر على خلق القيمة المضافة وتعزيز السيادة الصناعية.
و تتقاطع أطروحته نظريا على الأقل مع الخطاب الرسمي الجزائري حول السيادة الاقتصادية غير أن هذه المقاربة التقنية قوبلت برد فعل سلطوي يوحي بأن المشروع خرج من دائرة النقاش العمومي إلى مجال المحظور السياسي.
ويأتي هذا الجدل الداخلي في سياق توتر إقليمي متجدد بين المغرب والجزائر فبعد إعلان الجزائر الشروع في استغلال منجم غار جبيلات وتوقيع مذكرات تفاهم مع شركاء أجانب عاد النقاش في المغرب حول الإطار القانوني المنظم للمنجم، ومدى احترام الجزائر لالتزاماتها السابقة.
اللافت أن الموقف المغربي الرسمي لم يتجه نحو تصعيد قانوني فوري أو تحرك عاجل أمام الهيئات الدولية.
وهو ما يفسره مراقبون باعتماد الرباط على قراءة هادئة للملف تأخذ بعين الاعتبار محدودية المردودية الاقتصادية للاستغلال الأحادي للمنجم وهي نفس الخلاصة التي ذهب إليها الخبير الجزائري جلول سلامة.
ويعود ملف غار جبيلات إلى معاهدة تعاون موقعة بين المغرب والجزائر بتاريخ 15 يونيو 1972، بالتزامن مع معاهدة ترسيم الحدود.
ونصت هذه المعاهدة على إنشاء شركة جزائرية مغربية مشتركة لتطوير المنجم، ونقل وتسويق حوالي 700 مليون طن من خام الحديد، مع تأكيد صريح على السيادة الكاملة للجزائر على المنجم.
وجاء هذا الترتيب في سياق اقتصادي واضح يقوم على صعوبة نقل الخام لمسافة تفوق 1300 كيلومتر نحو موانئ البحر المتوسط مقابل القرب الجغرافي من الموانئ الأطلسية المغربية.
ورغم مصادقة الجزائر على المعاهدتين ونشرهما في الجريدة الرسمية سنة 1973 فإن الشركة المشتركة لم تر النور وظل تفعيل الاتفاق معلقا لعقود بفعل تقلب العلاقات السياسية.
و يظل الاتفاق قائما من الناحية القانونية ولا يسقط بالتقادم ما دام لم يلغ أو يعدل باتفاق صريح بين
وهو ما يجعل الاستغلال الجزائري الأحادي للمنجم موضوع نقاش قانوني وسياسي مشروع يتقاطع فيه الاقتصاد بالقانون والتحليل التقني بالحسابات الجيوسياسية.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
