بقلم: رشيد بن احسين
ليس من السهل أن تكتب عن شخص جمعك به القرب الإنساني قبل أي شيء آخر. أكتب هذه السطور لا فقط بصفتي كاتباً أو متابعاً للشأن الثقافي، بل أيضاً بصفتي إنساناً عرف الراحل عن قرب، وكان زكرياء العمراني أحد أولئك الذين يمرون في حياتنا بهدوء، لكن أثرهم يبقى عميقاً وصامتاً.
رحل المبدع العرائشي زكرياء العمراني رحمه الله يوم 12 يناير 2026، بعد مسار إبداعي متنوع وغني، عاشه بعيداً عن الأضواء، ولم ينل خلاله ما يستحقه من إنصاف إعلامي أو احتضان مؤسساتي. عاش بصمت، واشتغل بصمت، ورحل بنفس الصمت.
وُلد زكرياء العمراني بتاريخ 25 يوليوز 1966 بمدينة العرائش، حيث تشكّل وعيه الثقافي والفني مبكراً. كان كاتباً وسيناريستاً، موسيقياً وملحناً، ومثقفاً واسع الأفق، جمع بين الكلمة والنغمة، وبين السرد والصورة، دون ادعاء أو ضجيج.
في مطلع الألفية الجديدة، أصدر ألبومين غنائيين حملا بصمته الفنية الخاصة، حيث كان التلحين عنده تعبيراً إنسانياً قبل أن يكون اشتغالاً موسيقياً. موسيقاه كانت تشبهه: هادئة، صادقة، وغير متوسلة للانتشار السهل.
وفي مجال الكتابة السردية، نشر روايته «أولى حكايات نابغ»، التي كشفت عن حس روائي واضح، واشتغال واعٍ على أسئلة الإنسان والهامش والوجود. كما قام بعمل إنساني نبيل، حين تكفل بنشر ديوان شعري لشقيقه الراحل بعنوان «ها أنا ذا في الانتظار»، في وفاء أخوي صادق، حوّل الفقد إلى ذاكرة مكتوبة، وجعل من الكتابة شكلاً من أشكال مقاومة الغياب.
وفي حقل السينما، أنجز زكرياء العمراني عدة سيناريوهات أفلام مكتملة، ظلت للأسف حبيسة الأدراج ولم يُكتب لها أن ترى النور، لا لضعف فيها، بل لغياب آليات الدعم والاحتضان. ومع ذلك، لم يكن ممن يشتكون، بل ممن يواصلون الإيمان بالفكرة والعمل في صمت.
شارك الراحل في عدد من التظاهرات الثقافية والفنية، من بينها مهرجان كيتارا بمدينة العرائش، كما كان عضواً في لجنة تحكيم خلال فعاليات المنتدى الدولي للأشرطة المرسومةالذي يقام بمدينة تطوان ، في اعتراف بتعدد اهتماماته ورصانته الفنية.
ومن أبرز تجاربه الريادية، إطلاقه لمجلة الأطفال «ورد وياسمين»، وهي مجلة مغربية شهرية، أطلقها رفقة الفنانة العرائشية فاطنة الخماري، رفيقة دربه وصديقته. كانت تجربة جريئة وسابقة في مجال الصحافة الثقافية الموجهة للطفل، صدرت منها أربعة أعداد في غياب شبه تام لأي دعم مؤسساتي أو إشهاري، قبل أن تتوقف لأسباب مادية وإعلانية، لتظل تجربة رائدة لم يُكتب لها الاستمرار رغم قيمتها.
بعيداً عن كل هذه الأعمال، كان زكرياء العمراني إنساناً ودوداً، محباً، مثقفاً، تراه ضاحكاً، هادئاً، مسالماً. لم يكن صاخباً، ولا محباً للواجهة، بل قريباً من الناس، بسيطاً في حضوره، عميقاً في نظرته للحياة. لذلك لم يكن غريباً أن يحظى بمحبة كل من عرفه، وأن تنعاه عدة منابر إعلامية محلية بمدينة العرائش، لا فقط كمبدع، بل كإنسان نبيل وأليف.
إن كتابة هذا النص ليس مجرد تأبين، بل شهادة وفاء، ومحاولة لإنصاف رجل أعطى الكثير بصمت، ورحل دون ضجيج. وهي أيضاً دعوة للتفكير في كيفية تعاملنا مع مبدعينا وهم أحياء، قبل أن نكتشف قيمتهم بعد الرحيل.
رحم الله زكرياء العمراني، وجعل ما تركه من أثر إنساني وإبداعي شاهداً على حياة عاشها للفن بصدق، ورحل في صمت، لكن سيرته ستبقى حاضرة في الذاكرة.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



