رشيد أشنين / خبير في التحول الرقمي
لم يعد جيل ألفا في المغرب مجرد امتداد للأجيال الرقمية السابقة، بل يمثل قطيعة حقيقية مع منطق التعلم، العمل، والتقاضي كما صُمِّمت خلال العقود الماضية. نحن أمام أول جيل مغربي يولد في بيئة رقمية مكتملة: هواتف ذكية منذ الطفولة، منصات تعليمية، ألعاب قائمة على المنطق الخوارزمي، وذكاء اصطناعي متاح قبل أن يتقن القراءة. هذا الواقع يفرض سؤالًا مؤرقًا: هل المدرسة المغربية، والإدارة العمومية، ومنظومة العدالة مستعدة لجيل لن يكون مستهلكًا للتقنية، بل منتجًا لها وبها؟
أولًا: التعليم المغربي… فجوة بين المنهاج والواقع الرقمي
رغم الجهود الإصلاحية المتكررة، ما يزال التعليم المغربي أسير منطق التلقين، الامتحان، والمعلومة الموحدة. في المقابل، ينشأ جيل ألفا في فضاء مفتوح يتعلم فيه عبر الفيديو، المحاكاة، والذكاء الاصطناعي، لا عبر السبورة وحدها.
التحدي اليوم ليس في تعميم اللوحات الإلكترونية أو الربط بالإنترنت داخل المؤسسات، بل في إعادة تعريف وظيفة المدرسة. جيل ألفا المغربي يحتاج إلى:
تعليم التفكير النقدي والبرمجة المنطقية منذ المراحل الأولى؛
إدماج فعلي للذكاء الاصطناعي كأداة تعلم مؤطرة أخلاقيًا؛
ربط المعرفة بالواقع المحلي، لا بحفظ المقرر.
بدون هذا التحول، ستتعمق الفجوة بين مدرسة تُدرّس الماضي وجيل يعيش المستقبل.
ثانيًا: الإدارة العمومية… رقمنة بلا تغيير في العقل
شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة طفرة في مشاريع الرقمنة الإدارية، غير أن جزءًا كبيرًا منها ظل محصورًا في رقمنة المساطر لا إعادة هندسة القرار والخدمة العمومية. المواطن الرقمي لا ينتظر فقط منصة، بل إدارة تفهم البيانات، تتفاعل بذكاء، وتُقدّم خدمة شفافة.
جيل ألفا، كمواطن وموظف مستقبلي، لن يقبل بإدارة:
تكرر نفس الإجراءات المعقدة بصيغة إلكترونية؛
لا تتقاسم البيانات بين القطاعات؛
ولا تعتمد التحليل والمعطيات في اتخاذ القرار.
الإدارة المغربية مطالبة بالانتقال من “الإدارة الرقمية” إلى الإدارة الذكية، حيث تصبح البيانات العمومية موردًا استراتيجيًا، وتُبنى السياسات على الأدلة لا الحدس.
ثالثًا: المحاكم والعدالة الرقمية… من الخدمة إلى الثقة
في مجال العدالة، أطلقت المملكة أوراشًا مهمة في رقمنة المحاكم، من إيداع الدعاوى إلكترونيًا إلى تتبع الملفات. غير أن جيل ألفا سيطرح سؤالًا أعمق: هل العدالة الرقمية تعني السرعة فقط، أم تعني الفهم، الشفافية، وحماية الحقوق الرقمية؟
جيل ألفا المغربي سيكون أكثر وعيًا بـ:
حقه في حماية بياناته الشخصية؛
شفافية المسار القضائي؛
قابلية القرارات للتفسير، خصوصًا مع إدماج أدوات ذكية مستقبلًا.
العدالة الرقمية التي لا تُؤطر أخلاقيًا وقانونيًا، ولا تُواكبها ثقافة مؤسساتية جديدة، قد تتحول من أداة ثقة إلى مصدر ريبة.
خلاصة: المغرب أمام رهان جيل لا ينتظر الإصلاح
جيل ألفا في المغرب لن ينتظر إصلاح المدرسة، ولا تحديث الإدارة، ولا تسريع المحاكم ليبدع. هو سيتكيف، ينتج، ويُطالب، سواء داخل المنظومة أو خارجها. والرهان اليوم ليس تقنيًا، بل رهان حكامة، وجرأة مؤسساتية، ورؤية طويلة المدى.
إما أن تُعيد الدولة المغربية تصميم التعليم، الإدارة العمومية، والعدالة بمنطق الجيل القادم، أو ستجد نفسها أمام فجوة صامتة: مؤسسات تشتغل بمنطق الأمس، وجيل يصنع مستقبله خارجها.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

