حين تُظلِم القلوبُ قبل الأيدي، تصبح المظالم أثقالًا خفيّة، لا تسقط بالتقادم، بل تُؤجَّل إلى يومٍ تُوزن فيه الأرواح لا الكلمات.
لأن المظالم لا تشيخ، ولأن الحقوق المؤجَّلة لا تموت، يبقى العدل دينًا في الأعناق إلى أن يُؤدَّى أو يُقتصّ.
حديث شريف:
«مَنْ كانتْ له مظلمةٌ لأخيهِ من عِرضِه أو شيءٍ، فليتحلَّلْه منه اليومَ، قبلَ أن لا يكونَ دينارٌ ولا درهمٌ، إن كان له عملٌ صالحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مظلمتِه، وإن لم تكنْ له حسناتٌ أُخِذَ من سيئاتِ صاحبِه فحُمِلَ عليه»
— رواه البخاري
لا يأتي الحديث بوصفه تخويفًا، بل بوصفه رحمةً مستعجلة، كمن يوقظ نائمًا قبل أن يداهمه الحريق. إنه نداءٌ مبكر لإصلاح ما انكسر بين القلوب، قبل أن تُرفع الموازين، وتُكشف السرائر.
في الطريق الصوفي، لا يُقاس القرب من الله بكثرة الخطى، بل بخفّة الحمل. كل مظلمةٍ نتركها خلفنا تتحوّل إلى حجرٍ في السِّرّ، يُثقل المسير وإن بدا الظاهر مستقيمًا. فكيف يصفو قلبٌ، وفي زواياه أنينُ إنسانٍ لم يُنصف؟
لسنا نُحاسَب فقط على ما فعلنا، بل على ما أهملنا إصلاحه. كلمةٌ خرجت بلا وعي، موقفُ صمتٍ كان يجب أن يكون عدلًا، حقٌّ أُجِّل باسم الكبرياء… كلها ديونٌ مؤجَّلة، لا تسقط إلا بردّها أو بالتحلّل منها.
التحلّل، في معناه العميق، ليس اعتذارًا عابرًا، بل شجاعة روحية؛ أن تعترف بأنك جرحت، وأن تردّ للروح ما سُلب منها، ولو انكسر شيءٌ من صورتك. فالكبرياء لا وزن لها يوم تُوزن الأعمال.
أما الوطن، فليس بريئًا من هذا الميزان. الأوطان تُثقَل أيضًا بمظالم أبنائها، وتُنهك حين يُؤجَّل العدل. لا تُبنى الأوطان بالهتاف وحده، بل بضميرٍ يقظ، وبقدرة جماعية على ردّ الحقوق، مهما صغرت، لأن الظلم الصغير إذا أُهمل، يتعلم كيف يكبر.
فلنُصافِح القلوب التي عبرناها دون إذن،
ولنردّ المظالم قبل أن تُردّ علينا،
ولنخفّف أرواحنا من أثقالٍ لا نحتملها هناك.
فربّ صفاءٍ مع الخلق يفتح بابًا مع الخالق،
وربّ عدلٍ صغير… ينقذ روحًا، وربما وطنًا.
رجاء التوبي – عاشقة للوطن
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
