يعتبر كتاب “مجتمع الاستعراض” (La Société du spectacle) للكاتب والفيلسوف الفرنسي غاي ديبور، الصادر عام 1967، من النصوص المؤسسة للنقد الراديكالي للمجتمع الرأسمالي الحديث. لقد أثر الكتاب بشكل عميق على الاحتجاجات الطلابية والعمالية في فرنسا في مايو 1968، ولا تزال أفكاره ذات صلة كبيرة اليوم، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والثقافة الرقمية.
يطروح الكتاب أطروحة مركزية في المجتمعات الحديثة، لم تعد الحياة تعاش مباشرة، بل أصبحت تستهلك على شكل تمثيلات وصور. لقد حل “الاستعراض” محل الواقع.
المفهوم المحوري: ما هو الاستعراض؟
الاستعراض ليس مجرد مجموعة من الصور أو الإعلام أو الترفيه، بل هو علاقة اجتماعية بين الناس، تتوسطها الصور. إنه النتيجة المنطقية لمرحلة متقدمة من الرأسمالية، حيث لا يتم تسليع السلع فقط، بل يتم تسليع كل جوانب الحياة: العلاقات، المشاعر، الأفكار، وحتى الوقت.
يكتب ديبور في جملته الافتتاحية الشهيرة:
“في المجتمعات التي تسود فيها شروط الإنتاج الحديثة، تظهر كل الحياة على أنها تراكم هائل من الاستعراضات. لقد ابتعد كل ما كان يُعاش مباشرةً ليتحول إلى تمثيل”.
باختصار، الاستعراض هو: وهم الواقع: ويقدم نسخة مزيفة ومصطنعة من العالم، ولكن هذه النسخة تصبح هي الواقع المقبول والمعاش.
أداة للسيطرة: يعمل على إبقاء الناس في حالة من السلبية والجمود، حيث يكتفون بمشاهدة الحياة بدلاً من المشاركة في صنعها.
اللغة الرسمية للمجتمع:إنه الطريقة التي يتواصل بها النظام الرأسمالي مع نفسه ومع الأفراد، ويعزز قيمه (الاستهلاك، المنافسة، الفردانية).
أبرز خصائص ومميزات مجتمع الاستعراض
يحلل ديبور هذا المجتمع من خلال عدة خصائص رئيسية:
1. تسلع كل شيء (Commodification):
بناءً على فكرة ماركس عن “عبادة السلعة”، يرى ديبور أن الاستعراض هو المرحلة التي تصل فيها الرأسمالية إلى ذروتها، حيث “الرأسمال أصبح صورة”.
كل شيء قابل للبيع: الأفكار تصبح برامج تلفزيونية، والثقافة تصبح منتجاً استهلاكيا، والعلاقات الإنسانية تختزل في “الصداقات” على وسائل التواصل الاجتماعي.
2. الفصل والاغتراب (Separation and Alienation):
الاستعراض يقوم على مبدأ الفصل. يفصل بين:
الإنسان وعمله: العامل لا يرى نتاج عمله الحقيقي، بل يراه كقيمة مجردة في السوق.
الإنسان وإنسانه: العلاقات تصبح سطحية ومبنية على المصالح والصور الظاهرية.
الإنسان وواقعه: الفرد يصبح “مشاهدا” سلبيا لحياته وحياة الآخرين، بدلاً من أن يكون “مشارِكا” فاعلا.
3. هيمنة الصورة على الواقع
في مجتمع الاستعراض، الصورة لها الأولوية، تصبح الصورة أكثر أهمية من الحقيقة التي تمثلها. نحن نستهلك صورا عن السعادة، النجاح، والمغامرة، بدلا من السعي لتحقيقها بذاتنا. هذا يخلق عالما من المظاهر والسطحية.
4. الاستهلاك السلبي بدلاً من المشاركة الفاعلة:
يتم تدريب الناس على أن يكونوا مستهلكين جيدين للاستعراض. يشاهدون التلفاز، يتصفحون الإنترنت، ويشترون المنتجات التي تُوعدهم بأسلوب حياة معين. هذه الأنشطة السلبية تحل محل المشاركة السياسية الحقيقية، النقاش الجذري، والفعل المباشر.
5. تحول الزمن:
الزمن لم يعد تجربة حية ومتدفقة، بل أصبح سلعة. لدينا “وقت العمل”، و”وقت الفراغ” (الذي يتم استهلاكه عبر الترفيه المُوجّه)، و”وقت التسوق”. الزمن يقاس بالقدرة على الشراء والاستهلاك.
نقد ديبور ودعوته للعمل
يرى ديبور أن الاستعراض ليس مجرد تشويه للواقع، بل هو آلية قمع فعالة تحافظ على استمرار النظام الرأسمالي. إنه يخدع الجماهير ويمنعهم من إدراك حقيقة استغلالهم واغترابهم.
الحل بالنسبة لديبور ليس إصلاحياً، بل ثوريا وراديكاليا. إنه يدعو إلى:
. هدم الاستعراض: يجب تحطيم هذه العلاقة الاجتماعية الزائفة.
* استعادة الحياة المباشرة: الهدف هو استعادة القدرة على خلق “وضعيات” (Situations)؛ أي لحظات من التجربة المباشرة، الأصيلة، وغير الوسيطة. هذه “الوضعيات” هي بديل لمشاهدة الحياة، إنها عيشها
* الوعي الجذري: يجب على الناس أن يدركوا أن كل ما يرونه ليس واقعيا، بل هو مجرد استعراض مصمم لخدمة مصالح معينة
الخاتمة والإرث
في جوهره، يعتبر “مجتمع الاستعراض” تشخيصا لاذعا للمجتمع الرأسمالي المتأخر، حيث تحل الصور محل التجربة، والاستهلاك السلبي محل المشاركة الحقيقية.
تزداد أهمية الكتاب في عصرنا الحالي أكثر من أي وقت مضى. فمنصات مثل إنستغرام، فيسبوك، وتيك توك هي تجسيدات مثالية للاستعراض الذي تحدث عنه ديبور: حياة مصطنعة، صور منتقاة بعناية، سعي وراء “الإعجابات” كشكل من أشكال التقدير، وتحويل الذات إلى علامة تجارية. الكتاب يقدم لنا أدوات نقدية قوية لفهم عالمنا الذي تهيمن عليه الصور والتمثيلات.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



