سعيد شباعتو… ابن ميدلت الذي حمل السياسة كما تُحمل الأمانة

abdelaaziz629 نوفمبر 2025Last Update :
سعيد شباعتو… ابن ميدلت الذي حمل السياسة كما تُحمل الأمانة

بقلم: محمد اكن 

 

في المغرب، يولد بعض الرجال من رحم الجغرافيا كما يولدون من رحم أمهاتهم. تتشكّل طباعهم من صلابة الجبال، من رائحة التراب الرطب، من البرد القارس الذي لا يترك للإنسان سوى خيارين: أن ينكسر أو أن يقوى. وسعيد شباعتو واحدٌ من هؤلاء؛ ابنُ ميدلت الذي علّمته حياة الجبل أن يرتّب خطاه بذكاء، وأن يحمل همّ الناس في قلبه قبل ملفاتهم فوق مكتبه.

لم يكن طريقه إلى السياسة سهلاً ولا مباشراً. كانت السياسة بالنسبة إليه قدراً لا اختياراً، ومسؤولية لا فكاهة فيها، ومجالاً يُختبر فيه صدق الرجال. ومنذ أن دخل دواليب الدولة شاباً، كان يحمل معها إحساساً أن الخدمة العمومية ليست سلّماً إلى النفوذ، بل امتحاناً لأخلاق المرء قبل قدراته.

وعندما قادته الثقة إلى أن يكون وزيراً للمياه والغابات في حكومة عبد الرحمان اليوسفي، كان ذلك تحوّلاً عميقاً في مساره. فهنا، لم يعد يمثل جهة أو إقليماً أو قبيلة، بل أصبح الرجل مسؤولاً عن ثروة طبيعية تمسّ حياة ملايين المغاربة. ومن موقعه الوزاري، اشتغل لا كسياسي يبحث عن الخطابة، بل كمهندس يبحث عن الحلول: وضع المخطط الوطني للغابات، دعم برامج مكافحة الجفاف، عمل على حماية الموارد الطبيعية، وأسّس رؤية تقوم على أن البيئة ليست ترفاً في بلدٍ يحتاج كل قطرة ماء وكل شجرة وكل حبة تراب.وفي التعديل الوزاري اللاحق، تولى حقيبة الصيد البحري وهو قطاع شائك، متداخل بين الاقتصاد والسيادة والاتفاقيات الدولية. ومع ذلك، عرف كيف يقوده بثبات، فدخل مفاوضات مع شركاء أوروبيين وآسيويين، ودافع عن مصالح البحارة، وساهم في تنظيم القطاع، وترسيخ المراقبة وحماية الثروة السمكية. لقد كان هناك، كما وصفه مقربون، رجل دولة أكثر منه رجل حزب؛ هادئاً، صلباً، لا يرفع صوته، لكنه يعرف جيداً متى يرفع موقفه.

ومع اكتمال تجربته الوزارية، عاد شباعتو إلى الجهة، لا كمسؤول محلي، بل كخبيرٍ محمّلٍ بتجربة المركز. وحين تسلّم رئاسة جهة مكناس–تافيلالت، لم يكن ذلك الحدث مجرد انتقال إداري، بل كان بداية مرحلة جديدة لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة. ففي زمنٍ كانت فيه الجهة تبحث عن هوية تنموية واضحة، جاء الرجل بفلسفة خاصة: أن الجهة ليست تراباً فقط، بل فرصاً تنتظر من يراها.

شهدت فترته العديد من المكاسب: طرق تربط بين القرى المتناثرة، دعم للتعاونيات، مواكبة للفلاحين، إطلاق مشاريع للبنيات التحتية، توسيع شبكات الربط وبالخصوص اقليم ميدلت، تأهيل بعض المراكز التي كان يُنظر إليها كهوامش بعيدة عن الدولة. صنع دينامية اقتصادية خفيفة لكنها ثابتة، وفتح الباب أمام استثمار لم يكن يتجرأ على دخول مناطق الأطلس الشرقي، وأسهم في إعادة بناء الثقة بين المواطن والإدارة الجهوية.

كانت جهته في تلك الفترة وبشهادة أبناء المنطقة تعيش نوعاً من الأمل الهادئ غير المعلن: إذا كان الرجل الذي جلس على كرسي الوزير قد عاد إلى الجبل، فذلك يعني أن الجبل لم يعد وحيداً. لقد رأى فيه الناس مسؤولاً من لحمهم، يعرف فقرهم، يعرف كيف يعيشون، ويعرف كيف يمكن للدولة أن تلامس حياتهم دون ضجيج وبدون وعود فارغة.

سياسياً، كان شباعتو دائماً رجل توازنات. لم يكن من الذين يصنعون المعارك كي يظهروا، بل من الذين يحلونها كي يستمر العمل. كان يميل إلى الدبلوماسية الهادئة، يفهم الدولة بعمق، ويحترم منطق المؤسسات، ويعرف أن السياسة المغربية لا تُدار بالصوت العالي، بل بفن الإصغاء، وفهم السياق، وقراءة اللحظة.

ولعل أجمل ما يُقال في حقه أنه، رغم مساره الطويل، لم يتغير كثيراً في جوهره. ظلّ ذلك الرجل الذي يشبه ميدلت: بسيطاً حين يحتاج التبسيط، صارماً حين يتطلب الأمر الصرامة، صادقاً مع الناس حين يحتاجون الصدق، وقادراً على أن يكون سياسياً منضبطاً حين تستدعي الدولة الانضباط. لم تغره المواقع، ولم ينسه العمل الوزاري أبناء بلدته، ولم تُبدّده سنوات السياسة كما تبدّد آخرين.

يمضي شباعتو اليوم بين الناس، يحمل مساره كما يحمل الجبل الثلج فوق كتفيه: بلا شكوى، بلا استعراض، بلا حاجة لأن يقول “كنت هنا”. فآثاره هي التي تتكلم: في الغابة والبحر، في الجهة وفي ميدلت، في المشاريع التي أُنجزت، وفي تلك التي غرس بذورها.

وهكذا، يصبح الحديث عنه ليس مجرّد استحضار لسيرة رجل، بل لاستحضار نموذج: أن ابن المنطقة، حين يؤمن بقدره، يمكن أن يصبح وزيراً، ورئيس جهة، وصوتاً للوطن كله… دون أن يتخلى لحظة واحدة عن جذوره التي صنعت منه رجلاً يمشي بثقة، وكأن ميدلت كلها تتنفس من خلاله.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

Breaking News

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading