من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الثقافية، والسينما الإماراتية ذاكرة وحداثة في عيون وجدة عاصمة للتلاقي…
إعداد : عبد الرحيم باريج
في لحظة ثقافية فارقة، تتجاوز حدود الفرجة السينمائية لتبلغ عمق العلاقات الأخوية الراسخة، يحتضن المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة في دورته الخامسة عشرة حدثا تاريخيا استثنائيا، بالاحتفاء بالسينما الإماراتية ضيف شرف وتجربة فنية ملهمة.

هذا الاختيار لم يكن مجرد برمجة فنية عابرة، بل هو ترجمة صادقة لعمق العلاقات التاريخية والأخوية المتجذرة التي تجمع بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة، علاقات أسس لها المغفور لهما جلالة الملك الحسن الثاني والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراهما، ويواصل ترسيخها اليوم بكل حكمة وتبصر جلالة الملك محمد السادس وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، في نموذج فريد للتضامن العربي والتكامل الاستراتيجي.
لطالما شكلت العلاقات المغربية الإماراتية نموذجا يحتذى به في الوفاء والاحترام المتبادل. فمن المواقف السياسية الثابتة، إلى الشراكات الاقتصادية الكبرى، إلى التنسيق الدائم في المحافل الدولية، انتقلت هذه العلاقة اليوم لتتجلى في أبهى صورها في الميدان الثقافي والفني، باعتباره الركيزة الأكثر قدرة على ترسيخ القرب الوجداني بين الشعبين الشقيقين.

ويأتي حضور وفد إماراتي وازن من سينمائيين ومخرجين ونقاد وفنانين إلى مدينة وجدة، عاصمة الشرق المغربي ومدينة الألفية، ليعطي لهذه العلاقة بعدا إنسانيا حيا. فالثقافة هي التي تبقى، والفيلم هو الذي يوثق الذاكرة المشتركة.
تحت شعار الإحتفاء بتنوع السينما وقدرتها على بناء جسور تتجاوز الحدود، اختارت إدارة المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة أن تسلط الضوء في هذه الدورة على تجربة سينمائية فتية لكنها واعدة ومدهشة.
من سينما تحمل ملامح بيئتها الصحراوية الأصيلة، إلى تجارب تنفتح على أسئلة الإنسان والعالم، تقدم السينما الإماراتية مشهداً غنياً تتجاور فيه الذاكرة والحداثة، وتتنوع فيه الحكايات وأساليب التعبير.
لقد استطاعت السينما الإماراتية في سنوات قليلة أن تنتقل من المحلية إلى العالمية، محافظة على هويتها، ومنفتحة في الآن ذاته على اللغات السينمائية الكونية. هي سينما تروي حكاية التحول، حكاية الإنسان الإماراتي بين الأصالة والمعاصرة، بين نخلة وصحراء وناطحة سحاب وحلم لا ينتهي.
وفي وجدة، المدينة الحدودية التي كانت وما تزال ملتقى الثقافات المغاربية والمتوسطية، تفتح الشاشة فضاءً رحبا للقاء بين التجارب السينمائية المغاربية والخليجية، وتمنح للحكاية الإماراتية فرصةً لتصل إلى جمهور جديد، جمهور ذواق يعشق السينما ويؤمن برسالتها.
إن برمجة بانوراما خاصة للأفلام الإماراتية، وتنظيم لقاءات مهنية وماستر كلاس مع مبدعين إماراتيين، هو احتفال تاريخي بكل المقاييس، يؤكد أن وجدة ليست فقط منصة للفيلم المغاربي، بل أصبحت عاصمة لحوار سينمائي عربي-عربي حقيقي.
إن ما يحدث في وجدة اليوم هو أكثر من مهرجان. هو تأكيد على أن الثقافة والفن هما القوة الناعمة الأقدر على تعزيز أواصر الأخوة. فحين يعرض فيلم إماراتي في قاعة سينمائية بوجدة ويصفق له الجمهور الوجدي، فإننا نشهد ميلاد تفاهم جديد، بلغة لا تحتاج إلى ترجمة، هي لغة الصورة والوجدان.
تحية للمهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة على رؤيته المستنيرة، وتحية للوفد الإماراتي الذي حل بين أهله وإخوانه، وتحية لعلاقة أخوية بين بلدين شقيقين، أثبتت أن المسافة الجغرافية لا تضعف إلا لتقوي روابط القلب والتاريخ والمصير المشترك.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


