بقلم: عبد الحفيظ بوبكرى
كم من شاب مغربي يقف اليوم أمام البحر، لا يرى في الضفة الأخرى سوى حلم الثراء والرفاهية. وكم من أم تودع ابنها وهي تعتقد أن مجرد وصوله إلى أوروبا يعني نهاية المعاناة وبداية حياة لا تعرف إلا النعيم. إنها صورة صنعتها سنوات طويلة من الوهم، ورسختها مظاهر خادعة أكثر مما صنعتها الحقائق.
لم تولد هذه الصورة من فراغ، بل صنعتها تجربة إنسانية عاشها الجيل الأول من المهاجرين المغاربة. فقد غادر عشرات الآلاف منهم وطنهم في القرن الماضي، لا بحثًا عن الرفاهية وإنما هربًا من الفقر والبطالة وضيق الفرص. كانوا يحملون معهم إرادة صلبة أكثر مما يحملون من متاع، ويقبلون بأقسى الأعمال في المناجم والمصانع وورش البناء والزراعة وهي أعمال عزف عنها كثير من أبناء الدول المستقبلة.
لم تكن حياة هؤلاء المهاجرين كما ظهرت في صور العطلة الصيفية. فقد عاش كثير منهم سنوات في مساكن جماعية ضيقة، وادخروا كل ما استطاعوا من أجل إرسال المال إلى أسرهم في المغرب. وكانت التحويلات التي يبعثون بها شريانًا اقتصاديًا لآلاف الأسر، وساهمت في بناء المنازل، وتعليم الأبناء، وتحسين مستوى العيش في مناطق كثيرة من البلاد.
وعندما كانوا يعودون في الإجازة، كانوا يحرصون على ارتداء أجمل الملابس، واقتناء سيارة جديدة إن استطاعوا وإغداق الهدايا على الأقارب. لم يكن ذلك تباهيًا بقدر ما كان محاولة لتعويض سنوات الغياب وإخفاء قسوة الغربة عن عيون الأهل. غير أن هذه الصورة المختصرة كانت كافية لترسيخ اعتقاد خاطئ مفاده أن أوروبا أرض لا تعرف إلا النجاح والرخاء.
في السنوات الاخيرة تبدل الزمن. تغيرت أوروبا وتغير معها سوق العمل، وارتفعت تكاليف المعيشة والسكن والطاقة، وأصبحت الضرائب تلتهم جزءًا مهمًا من الدخل، بينما ازدادت قوانين الهجرة والإقامة صرامة. وأصبح الحصول على وظيفة مستقرة أكثر صعوبة خاصة بالنسبة لمن يفتقرون إلى التكوين أو إتقان اللغة أو الكفاءات المطلوبة.
أما أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين، فقد وجدوا أنفسهم أمام تحديات مختلفة. فهم يتمتعون بحقوق المواطنة في كثير من الحالات، لكنهم يواجه بعضهم إشكالات الهوية والانتماء والاندماج، ويجدون أنفسهم مطالبين ببذل جهد مضاعف لإثبات قدراتهم. إنها حياة مليئة بالفرص، لكنها ليست خالية من العقبات كما يتخيل البعض.
ورغم هذا التحول، لا تزال صورة المهاجر الميسور تسيطر على خيال عدد من الشباب المغربي. وما يزيد هذا الوهم انتشارًا أن وسائل التواصل الاجتماعي تعرض لحظات النجاح والرحلات والاحتفالات، بينما تخفي ساعات العمل الطويلة، وأقساط السكن، وضغوط الحياة اليومية، والحنين الذي لا يغادر قلب المغترب.
ومن هنا، فإن للجالية المغربية بالخارج مسؤولية أخلاقية ووطنية. ليس مطلوبًا منها أن تثبط عزائم الشباب أو أن تشوه صورة بلدان الإقامة، وإنما أن تقدم الحقيقة كاملة. فالهجرة قد تكون بابًا للنجاح لمن يمتلك العلم والمهارة والإرادة، لكنها ليست طريقًا مضمونًا للثراء، وليست بديلًا عن بناء المستقبل داخل الوطن.
وفي المقابل، فإن مسؤولية الدولة لا تقل أهمية. فلا يمكن مواجهة الهجرة بالاكتفاء بالدعوات إلى الصبر أو التمسك بالوطن، بل ببناء وطن يوفر مقومات العيش الكريم. مستشفى يحفظ كرامة المريض، ومدرسة تصنع الكفاءة، وجامعة تربط المعرفة بسوق الشغل، وعدالة تعزز الثقة، وإدارة تجعل خدمة المواطن أولوية، واقتصاد يفتح أبواب المبادرة والعمل أمام الشباب…
إن الهجرة في حد ذاتها ليست مشكلة، فقد كانت ولا تزال جسرًا للتبادل الثقافي والاقتصادي والإنساني. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى وهم جماعي، أو إلى مشروع هروب من واقع يمكن إصلاحه. فالأمم لا تنهض بتصدير شبابها، بل بخلق الأسباب التي تجعلهم يختارون البقاء والمساهمة في التنمية، ويغادرون فقط حين يكون السفر إضافة إلى مسارهم، لا هروبًا من حاضرهم.
لقد آن الأوان لأن نعيد كتابة قصة الهجرة المغربية بصدق. أن نكرم الجيل الأول الذي ضحى وكافح، وأن نصغي إلى الجيل الثاني الذي يعيش تحديات مختلفة، وأن نقول للشباب إن أوروبا ليست جنة، كما أن المغرب ليس قدرًا من اليأس. فالحياة الكريمة تُبنى بالعمل والعدالة وتكافؤ الفرص، أينما كان الإنسان.
ولعل أعظم نجاح يمكن أن يحققه المغرب، ليس أن يقل عدد الراغبين في الهجرة، بل أن يصبح البقاء فيه خيارًا يختاره الشباب عن قناعة، لأنهم وجدوا فيه ما يستحق أن يعيشوا من أجله، وأن يحلموا فيه، وأن يحققوا طموحاتهم على أرض وطنهم.ختاما أرى أن هذه رؤية متوازنة لا تهاجم الهجرة ولا تمجدها، بل تدعو إلى الواقعية، وتُبرز مسؤولية الجالية والدولة معًا دون مبالغة.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



