بقلم : الدكتور عبد العزيز الجلولي
شهد المغرب خلال العقدين الأخيرين موجات متتالية من الاحتجاجات الاجتماعية، اتخذت أشكالاً مختلفة باختلاف السياقات والمناطق، لكنها تشترك جميعها في جذور واحدة تتمثل في تعاظم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، واتساع الفجوة بين تطلعات الشباب وإمكانات الواقع. ولم تعد هذه الاحتجاجات تقتصر على المسيرات والوقفات والاعتصامات، بل تطورت في السنوات الأخيرة إلى أشكال أكثر راديكالية، أبرزها الهجرة الجماعية ومحاولات العبور نحو الضفة الشمالية للمتوسط، بما يجعل الهجرة نفسها شكلاً من أشكال الاحتجاج و ضرب من ضروب التصويت Voting with one’s feet) على انسداد الأفق.
يرى علماء الاجتماع السياسي أن الاحتجاج لا ينشأ لمجرد وجود الفقر، وإنما عندما يشعر الأفراد بأن المجتمع لم يعد يوفر لهم فرصاً عادلة للارتقاء الاجتماعي. وهذا ما تفسره نظرية الحرمان النسبي التي ترى أن الشعور بالظلم يتولد من المقارنة بين ما يتوقعه الفرد وما يستطيع تحقيقه فعلاً. فالشباب المغربي اليوم أكثر تعليماً، وأكثر اتصالاً بالعالم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأكثر إدراكاً للفوارق الاجتماعية، لكنه في المقابل يواجه سوق عمل محدوداً، وارتفاعاً متواصلاً في تكاليف المعيشة، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وصعوبة متزايدة في الحصول على السكن أو بناء مستقبل مستقر.
ولم تعد البطالة وحدها هي المشكلة، بل أصبحت الهشاشة الاقتصادية تمس حتى فئات المشتغلين. فكثير من الشباب يشتغلون في وظائف مؤقتة أو منخفضة الأجر لا تسمح بتحقيق الاستقلال الاقتصادي، بينما أدى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة والسكن إلى تآكل الدخل، مما عزز الشعور بأن العمل لم يعد يضمن العيش الكريم.
وقد تجسدت هذه الأزمة في سلسلة من الاحتجاجات الاجتماعية التي عرفها المغرب. فقد شكل حراك الريف سنة 2016 نموذجاً لمطالبة السكان بالعدالة المجالية والتنمية والكرامة، بينما كشفت احتجاجات جرادة سنة 2018 عن عمق الأزمة الاقتصادية في المدن المنجمية التي فقدت بدائلها التنموية. كما شهدت مناطق أخرى، مثل زاكورة وتنغير وفكيك وغيرها، احتجاجات ارتبطت بالماء أو التشغيل أو الخدمات العمومية، لكنها جميعاً عكست أزمة تنموية أكثر منها خلافاً سياسياً مباشراً.
غير أن التطور الأكثر دلالة ظهر في الأحداث الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة، حيث حاولت أعداد كبيرة من الشباب المغاربة العبور إلى المدينة المحتلة في مشهد غير مسبوق من حيث الحجم. ورغم أن بعض التقارير أشارت إلى دور المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي و القرارات الأسبانية الأخيرة في تشجيع هذا التدفق، فإن اختزال الظاهرة في تأثير الشائعات يبقى تفسيراً قاصراً. فالآلاف لا يخاطرون بحياتهم بسبب إشاعة فقط، وإنما لأن الإشاعة تجد بيئة اجتماعية يغذيها اليأس وانسداد الأفق. وقد أبرزت التغطيات الإعلامية أن الضغوط الاقتصادية والمعيشية كانت عاملاً رئيسياً في موجة العبور، إلى جانب فقدان الثقة في إمكانية تحسين الأوضاع داخل البلاد.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، يمكن اعتبار هذه الهجرة الجماعية امتداداً لنظرية ألبرت هيرشمان في كتابه “الاحتجاج، الانسحاب والولاء” (Exit, Voice and Loyalty). فحين يعجز المواطن عن التأثير في السياسات العامة عبر الاحتجاج أو المشاركة السياسية (Voice)، يلجأ إلى خيار الانسحاب (Exit)، أي مغادرة المكان الذي لم يعد يحقق له الحد الأدنى من الأمل. وفي الحالة المغربية، لم يعد “الانسحاب” مجرد هجرة بحثاً عن العمل، بل أصبح رسالة سياسية واجتماعية مفادها أن جزءاً من الشباب فقد الثقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعاته.
كما تكشف هذه الأحداث عن أزمة أعمق تتعلق بضعف الوساطة السياسية. فقد تراجعت ثقة الشباب في الأحزاب والنقابات والمؤسسات المنتخبة، وأصبح كثير منهم يعتقد أن هذه المؤسسات لا تنقل مطالبه ولا تؤثر فعلياً في صناعة القرار بل عوض ان تمثل المجتمع حيال الدولة باتت تمثل الدولة داخل المجتمع و تتلقى منها دعمها و توجيهاتها : نظرية حزب الكارتيل التي تحدث عنه كل من ريتشارد كاتس و بيتر ماير في مقالهما الشهير (Cartel party) مما تسبب في غياب قنوات الوساطة، لتتحول الاحتجاجات إلى حركات عفوية، أو تتحول الرغبة في التغيير إلى رغبة في الرحيل.
ومن هنا، فإن قراءة احتجاجات الشباب المغربي باعتبارها مجرد اضطرابات اجتماعية أو اختلالات أمنية تغفل جوهر المشكلة. فالاحتجاجات، سواء تجلت في شوارع الحسيمة وجرادة، أو في وقفات الأساتذة واحتجاجات فئات مهنية متعددة، أو حتى في موجات العبور الجماعي نحو سبتة، تشكل حلقات متصلة في سلسلة واحدة عنوانها أزمة الثقة في المستقبل.
إن أخطر ما تكشف عنه هذه الظواهر ليس ارتفاع عدد المحتجين أو المهاجرين، وإنما انتقال جزء من الشباب من المطالبة بالإصلاح داخل الوطن إلى البحث عن مستقبل خارجه. فعندما يصبح الرحيل هو الأمل الوحيد، تتحول الهجرة من قرار فردي إلى مؤشر سوسيولوجي على وجود خلل عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين التنمية وتوزيع ثمارها، وبين وعود السياسات العمومية وانتظارات المواطنين.
وعليه، فإن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية أو التدابير الظرفية، بل تقتضي إعادة بناء الثقة من خلال سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر عدالة، وتقليص الفوارق المجالية، وخلق فرص شغل ذات جودة، وتعزيز قنوات المشاركة السياسية، حتى يشعر الشباب بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه، لا خارجه.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

