ليس من السهل فهم ما يجري اليوم بإقليم آسفي دون طرح سؤال بسيط ومباشر: هل نحن أمام تطبيق سليم للقانون، أم أمام قراءة ضيقة له تفرغه من روحه وتحوله إلى أداة تعطل بدل أن تنظم؟
ملف مصنع “GYPTEC” لم يعد مجرد قضية إدارية عابرة، بل أصبح نموذجا صارخا لكيف يمكن لقرار واحد أن يربك توازنا اقتصاديا واجتماعيا كاملا. نحن نتحدث عن وحدة صناعية قائمة، تُشغل مئات العمال، وتعتبر مصدر عيش مباشر وغير مباشر لعشرات الأسر. ومع ذلك، وبدل أن تواكب وتشجع، تجد نفسها في مواجهة قرار إداري يوحي وكأنها ارتكبت مخالفة جسيمة لا تغتفر كانها مواطن بيني بشكل عشوائي.
المفارقة هنا ليست في وجود مخالفة من عدمها، بل في طريقة التعاطي معها. هل من المنطقي أن توضع توسعة داخلية، هدفها تطوير الإنتاج، في نفس خانة البناء العشوائي؟ وهل من الحكمة أن يختزل دور السلطة في إصدار أوامر الهدم دون استنفاد كل إمكانيات المعالجة القانونية المرنة؟
من زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل أن إدارة المصنع اختارت سلوك الطريق المؤسساتي، عبر اللجوء إلى القضاء الإداري لوقف قرار عامل الاقليم الغير معقلن وطرق أبواب المركز الجهوي للاستثمار. وهذه خطوة تُ
حسب لها، لأنها تعكس إيماناً بدولة القانون، لا محاولة للالتفاف عليه. لكن في المقابل، يبدو أن منطق التصلب الإداري لا يترك مساحة كافية للحلول الوسط.
أما الضجة المثارة حول “التدخلات السياسية”، فهي في جوهرها محاولة لتبسيط ملف معقد وتحويله إلى صراع نفوذ، بينما القضية في عمقها تتعلق بغياب التقدير السليم للتوازن بين القانون والتنمية. فليس كل ما هو قانوني يطبق بنفس الطريقة، وليس كل وضعية تعالج بنفس الأدوات.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة لتدخل مركزي يعيد ضبط البوصلة. فوزير الداخلية، باعتباره الضامن لحسن سير الإدارة الترابية، مدعو اليوم إلى النظر في هذا الملف بعين التوازن، لا بعين النص الجامد فقط. المطلوب ليس إلغاء القانون، بل تطبيقه بعقلانية، تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة في بعدها الواسع، لا الضيق.
إن الحل لا يكمن في التصعيد، بل في فتح نقاش مسؤول يضم كل المتدخلين، للوصول إلى صيغة تحفظ هيبة القانون دون أن تلحق الضرر بمؤسسة اقتصادية قائمة. لأن الخسارة هنا لن تكون فقط خسارة مستثمر، بل خسارة ثقة، وهي أخطر بكثير.
آسفي اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تختار أن تكون أرضا جاذبة للاستثمار، أو أن تُكرس صورة منطقة تدار بقرارات مفاجئة تربك الفاعلين الاقتصاديين. وفي مثل هذه اللحظات، لا يقاس دور المسؤول بمدى صرامته فقط، بل بقدرته على التمييز واتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب فلا يمكن تطبيق القانون بحذافره دائما.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


