بين أمواج البحر وأمواج اليأس… حين تصبح الهجرة صرخة مجتمع

abdelaaziz630 يوليو 2026آخر تحديث :
بين أمواج البحر وأمواج اليأس… حين تصبح الهجرة صرخة مجتمع

عبد العزيز مضمون✍️

ليست هذه مجرد صور لأشخاص يعبرون البحر نحو سبتة، بل مشاهد تختزل واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والاجتماعية إيلاما. فحين يحمل شاب امرأة وسط الأمواج، أو تحتضن أم رضيعها وهي تواجه البحر، أو يركض أب حاملا طفلته بينما تتبعه زوجته وعلى ظهرها رضيعها، فإننا لا نكون أمام خبر عابر، بل أمام صرخة صامتة تعكس حجم المعاناة التي يعيشها جزء من المجتمع.

الصورة الأولى تجسد تضامنا إنسانيا في مواجهة الخطر، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة الواقع الذي يدفع أشخاصا إلى المجازفة بأرواحهم في سبيل البحث عن مستقبل يعتقدون أنه أكثر أمنا وكرامة. أما الصورة الثانية، التي تظهر أما تحتضن رضيعها وسط الأمواج، فتلامس وجدان كل من يشاهدها، لأنها تكشف أن الهجرة غير النظامية لم تعد خيارا فرديا للشباب، بل أصبحت في بعض الحالات قرارا تتخذه أسر بأكملها، رغم ما يحمله من مخاطر قد تكون مميتة.

وتأتي الصورة الثالثة لتضيف بعدا أكثر إيلاما. يظهر فيها أب يحمل طفلته الصغيرة بين ذراعيه، بينما تتبعه زوجته وهي تحمل رضيعها فوق ظهرها، في مشهد يعكس حالة من الاستعجال والخوف. وقد تداولت وسائل إعلام ومقاطع مصورة تصريحا منسوبا إليه يربط قراره بغلاء المعيشة وأعباء الكراء، وهو تصريح يعكس جانبا من الضغوط الاقتصادية التي قد تدفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرارات بالغة الخطورة. فلا تبدو على وجهه ملامح المنتصر بعد الوصول، بل آثار الإنهاك والقلق، وكأنه يدرك أن عبور البحر ليس نهاية المعاناة، وإنما بداية رحلة أخرى مجهولة.

هذه الصور لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها محاولات لعبور الحدود، بل باعتبارها رسائل احتجاج صامتة من مواطنين يشعرون بأن فرص العيش الكريم داخل وطنهم أصبحت محدودة. فعندما يخاطر الشباب، وتجازف النساء، ويُصطحب الأطفال إلى قلب البحر، فإن السؤال الأكثر إلحاحا لا يصبح: لماذا يهاجرون؟ بل: ما الذي يدفعهم إلى تفضيل المجهول على البقاء؟

ولا يمكن اختزال ظاهرة الهجرة غير النظامية في سبب واحد، فهي نتاج تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، من بطالة وهشاشة وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى تفاوتات مجالية وشعور بالإقصاء لدى بعض الفئات، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي ترسم في كثير من الأحيان صورة مثالية للحياة في الضفة الأخرى، دون أن تظهر الوجه القاسي للهجرة، بما تحمله من مخاطر الاستغلال والغرق والمعاناة.

ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو تشديد مراقبة الحدود، مهما كانت أهميتها في حماية الأرواح واحترام القانون، بل تستوجب أيضا معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الناس إلى المخاطرة بحياتهم. فالتنمية الحقيقية تقاس بقدرتها على توفير فرص الشغل، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوفير الحق في الصحة والسكان وتقليص الفوارق، وإعادة الثقة للشباب والأسر في أن المستقبل يمكن أن يبنى داخل الوطن.

إن الصور القادمة من سبتة ليست مجرد لقطات إخبارية، بل وثائق إنسانية مؤلمة تدعو إلى التفكير الجماعي في جذور الظاهرة بدل الاكتفاء بمظاهرها. فكل شخص يخوض البحر يحمل قصة مختلفة، وكل طفل يوجد وسط الأمواج يذكرنا بأن ثمن الفشل في معالجة الأزمات الاجتماعية قد تدفعه أجيال كاملة.

ويبقى الأمل معقودا على سياسات عمومية أكثر نجاعة وإنصافا، تجعل الكرامة والعيش الكريم حقا متاحا للجميع، حتى لا يبقى البحر هو الملاذ الأخير لمن ضاقت بهم السبل، وحتى لا تستمر صور الأطفال والنساء والعائلات وهي تواجه الأمواج في هز الضمير الإنساني، ودفع الجميع إلى التساؤل: كيف وصل اليأس ببعض المواطنين إلى هذه الدرجة؟


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة