عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
تعدّ مدينة طورينو، بجمالها المعماري الآسر، وشوارعها النابضة بالحياة، وأسواقها الشعبية العتيقة ومطاعمها، وتنوعها الثقافي الفريد، وأهلها الطيبين، مرآة صادقة تعكس أعمق تحولات المجتمع الإيطالي المعاصر. بيد أن هذا الجمال يُخدشه واقع مرير نشهده يوميًا: فمن المؤلم أن نرى أبناء الجالية المسلمة، ممن تقطعت بهم السبل، ينامون في الأزقة الباردة، وتحت الجسور، وفي أماكن لا تبعد سوى خطوات قليلة عن مساجد يُرفع فيها اسم الله.
ليس مشهد الشاب ذي الأصول المغربية–الإيطالية المشتركة، وهو يستجدي العون في مسجد قريب من منطقة بورطا بلاص، مجرد حالة عابرة، بل هو صرخة استغاثة تجسّد فشل الميثاق الزوجي العابر للحدود حين يفتقر إلى الحصانة الروحية والاجتماعية. فالزواج المختلط، الذي قد يكون نظريًا جسرًا للتعايش الثقافي، يصطدم عند أول منعطف خلافي بتحديات بنيوية كبرى: تتصادم فيه المرجعيات الثقافية، وتتنازع القوانين، فيتحول الأطفال من ثمرة حب إلى رهائن في صراعات قضائية ونفسية طاحنة، لتنتهي بهم الحال في أحيان كثيرة مفترشي الأرض في العراء.
هذا الضياع لا يقف عند حدود التشرد المادي، بل يتوغل في عمق الكيننة؛ فالشاب الذي يفقد السند الأسري المتماسك يجد نفسه أمام جدار مسدود، إذ يؤدي انهيار الزواج المختلط غالبًا إلى انقطاع شبكة الأمان التي كانت توفّرها العائلة الممتدة. ويبرز التناقض الصارخ حين نرى هؤلاء الشباب من أصول عربية ومغاربية يؤدون صلاتهم في المساجد، ثم يخرجون ليفترشوا الكرتون على مرأى من إخوانهم المصلين، خاصة في فصل قارس البرد حيث لا تزال لسعات الصقيع تنهش الأجساد رغم اقتراب الربيع. إن تحوّل هؤلاء الشباب من سائلين إلى خارجين عن القانون هو نتيجة غياب الرعاية الاستباقية؛ إذ تترصدهم عصابات الجريمة المنظمة وتجار السموم والمخضرات، مستغلين حاجتهم إلى المال وإلى الانتماء، فيصبح الإدمان وسيلتهم الوحيدة لتخدير ألم الرفض والوحدة.
إن ما نعيشه يوميًا في طورينو من مشاهد تدمي القلب، وما نرصده من قصص شباب يذوبون في غياهب النسيان وسط مدينة مفعمة بالحياة، يستدعي وقفة تأمل جادة من الفاعلين الجمعويين والمراكز الإسلامية. ومن هنا، نوجّه هذه المناشدة الأخوية بلسان الغيورين:
إلى الإخوة الفضلاء في الجمعيات المغربية والعربية، وإلى القائمين على المساجد والمراكز الإسلامية بمدينة طورينو: إن المسؤولية اليوم تقتضي منا تجاوز العمل الفردي المشتت. نحن أمام واقع عشناه وشهدناه لأشخاص ينامون في العراء رغم ترددهم على بيوت الله. لذا ندعوكم إلى وضع برامج عمل مشتركة تهدف إلى توجيه بوصلة الإحسان إلى مستحقيها الفعليين. لا يكفي أن نفتح أبواب المساجد للصلاة ثم نغلقها والناس يفترشون عتباتها، بل نحتاج إلى مكاتب إرشاد، ودعم قانوني، ومرافق احتضان توفر الدفء المعنوي والمادي. إن قوة الجالية في وحدتها، وأمان أبنائنا يبدأ من تعاون جمعوي يتجاوز الشكليات والاستعراضات الرسمية، لينزل إلى أرض الواقع في أزقة طورينو، ويضع يده في يد من تقطعت بهم السبل.
وبحكم إقامتي وعيشي في مدينة طورينو، ومعاينتي الميدانية لهذه المآسي، أقترح على الجمعيات والمساجد النقاط التالية كخطة عمل عاجلة، وأبقى رهن إشارتهم لتفعيلها:
أولاً: إنشاء خلية أزمة مشتركة بدلاً من أن تعمل كل جمعية أو مسجد بمعزل عن الآخر، تُشكَّل لجنة مصغرة تضم ممثلين عن المساجد (مسجد السلام، مسجد عمر، مسجد دار الإيمان، مسجد المدينة، مسجد أبي بكر، مسجد محمد السادس، مسجد النخلة، مسجد السنة، مسجد الفلاح، وغيرها) وممثلين عن الجمعيات المغربية والعربية النشطة. مهمة هذه الخلية هي الإحصاء والمتابعة المستمرة للحالات المشردة في الشوارع.
ثانيًا: إطلاق وحدات الرصد الليلي و تنظيم جولات ليلية تطوعية يقوم بها شباب الجمعيات والمساجد لتوزيع الأغطية والوجبات الساخنة، لكن الهدف الأسمى ليس الإطعام فقط، بل بناء الثقة مع هؤلاء الشباب المشردين لإقناعهم بالانتقال من الرصيف إلى مراكز الإيواء أو الحلول البديلة.
ثالثًا: تفعيل الوساطة الأسرية والقانونيةو تخصيص يوم أسبوعي في مقر إحدى الجمعيات أو قاعة تابعة للمسجد، يتواجد فيه محامٍ وأخصائي اجتماعي يفضل أن يكونوا من أبناء الجالية المتحدثين بالإيطالية والعربية لتقديم استشارات مجانية لأبناء الطلاق المختلط، لحل مشاكل الوثائق، أو الإقامة، أو النزاعات العائلية قبل أن تفضي إلى الشارع.
رابعًا: إنشاء صندوق مالي مشترك تسهم فيه الجمعيات و المساجد من تبرعات المحسنين، ويُخصص حصريًا لحالات الطوارئ، لضمان سرعة التدخل وكفايته.
خامسًا: الخروج من العزلة والتواصل مع المؤسسات المحلية و مخاطبة بلدية طورينو والجمعيات الإيطالية الكبرى مثل سيرميج أو كاريتاس أو كوطولينغو، والمطالبة بحصص إيواء تراعي الخصوصية الثقافية، أو تقديم مشاريع مشتركة لإعادة دمج هؤلاء الشباب مهنيًا.
سادسًا: برنامج الإرشاد الفردي المرافقة ربط كل شاب مشرد أو تائه بشاب ناجح من الجالية —طالب جامعي أو عامل مستقر— ليكون له أخًا كبيرًا ومرشدًا، يساعده على استعادة ثقته بنفسه ويوجهه بعيدًا عن رفاق السوء وعالم المخدرات.
سابعًا: تكامل الأدوار بين المسجد والجمعية إن الحاجة ماسة اليوم إلى خلق جسر تواصل دائم بين المسجد بصفته الحاضن الروحي، والجمعية بصفتها الذراع التنفيذي والحقوقي. فبينما نجد المؤسسات الإيطالية والجمعيات المحلية حاضرة بقوة في دعم المتضررين، يبقى الدور العربي والمغربي بحاجة إلى احترافية أكبر وتنسيق أعمق، خاصة في تتبع حالات الأطفال القاصرين والشباب الذين يعانون تمزق الهوية. نحن لا ننكر الجهود المبذولة من بعض الجمعيات النافعة والمخلصة التي تعمل في صمت، لكننا نطمح إلى تعميم هذه النماذج لتصبح استراتيجية عمل موحدة تحمي أبناءنا من غياهب الإجرام أو السقوط في فخ الضياع.
إن إنقاذ شاب واحد من أرصفة طورينو هو حماية لأمن المدينة بأسره، واعتراف بأن هؤلاء الأبناء أمانة في أعناقنا جميعًا، فلا ينبغي أن يُتركوا ضحايا لإهمال المؤسسات التي كان من المفترض أن تكون ملاذهم الأخير.
خلاصة:
إن المسألة ليست في نهاية المطاف مجرد إشكالية اجتماعية أو قانونية، بل هي اختبار حقيقي لمدى إيماننا بمبدأ التكافل، وصدق التزامنا برسالة المسجد كمنارة لا تقتصر على الطقوس، بل تمتد لتكون حضنًا جامعًا للإنسان حيثما كان. فما لم نستطع أن نحميَ أبناءنا من قسوة الرصيف بعد أن هدمنا بيوتهم بأيدينا ولو عبر إخفاقنا في رعاية أواصر الزواج المختلط فإن أي حديث عن وحدة الجالية أو نشر القيم لن يكون سوى شعارات تذروها الرياح. أمتنا التي أوصى نبيها صلى الله عليه وسلم بأن “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد” لا تعترف بنصف الحلول؛ فالمسؤولية كلية، والسؤال الذي يظل ماثلاً أمامنا: ألسنا نحن أولى بهؤلاء الفتية الذين حملوا أسماءنا وهجرتهم أقدارهم؟ إن الإجابة لن تكون في خطابات النوايا الحسنة، بل في أفعال جماعية تتحدى التشتت، وتجعل من طورينو نموذجًا في الرعاية لا في الإهمال.
أللهُمّ يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، اجمع شمل عائلاتنا على المودة والرحمة، واحفظ أبناءنا من الضياع والفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم كن عونًا للمشردين والمنكسرين في غربتهم، وقيّض لهم من عبادك من يمد لهم يد العون والإخاء. اللهم وحّد صفوفنا، وسدّد خطانا، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ناجحة في خدمة عبادك.. آمين يا رب العالمين.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


