زكية شفيق
في سياق وطني يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، تستعد كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، التابعة لجامعة الحسن الأول، لاحتضان ندوة وطنية حول موضوع: “قراءات متقاطعة في قانون المالية لسنة 2026”، بشراكة مع جماعة أولاد فارس الحلة ومختبرات بحثية متخصصة. خطوة تتجاوز بعدها الأكاديمي الصرف لتؤسس لمرحلة جديدة من التفاعل الخلاق بين الجامعة ومحيطها الترابي.
لم يعد النقاش حول قانون المالية حكرًا على دوائر مغلقة أو جلسات تقنية معزولة؛ بل أضحى سؤالًا عموميًا بامتياز، يتقاطع فيه الاقتصادي بالاجتماعي، والوطني بالمحلي. من هنا تكتسي هذه الندوة أهميتها، باعتبارها فضاءً لتبادل الرؤى بين الباحثين والمنتخبين، وبين من يشتغل على تحليل النصوص ومن يواجه يوميًا آثارها في تدبير الشأن العام.
قانون مالية 2026، بما يحمله من رهانات تتعلق بتحفيز الاستثمار، وضبط عجز الميزانية، وتوسيع الوعاء الاجتماعي للحماية والدعم، يفرض قراءة متعددة الزوايا. فالاختيارات المالية ليست مجرد أرقام في جداول، بل تعبير عن توجهات سياسية ورهانات تنموية، تمس مباشرة قدرة الجماعات الترابية على تنزيل برامجها وتحقيق انتظارات المواطنين.
الرهان في هذه الندوة لا يقف عند حدود التشخيص، بل يمتد إلى مساءلة منطق الأولويات: كيف يمكن تحقيق توازن فعلي بين متطلبات الإقلاع الاقتصادي وضغوط العدالة الاجتماعية؟ إلى أي حد تمنح المقتضيات الجديدة هامشًا أوسع للجماعات الترابية في تدبير مواردها؟ وما موقع الرقمنة والحكامة في تحسين النجاعة المالية؟
كما تحمل الندوة رمزية خاصة من خلال انخراط فاعلين ترابيين في النقاش العلمي، بما يعكس تحولًا في تمثل القيادة المحلية لدورها. فالمسؤول الترابي اليوم لم يعد مجرد منفذ لقرارات مركزية، بل شريك في صياغة الرؤية التنموية، مستندًا إلى أدوات التحليل والمعرفة. هذا التلاقي بين شرعية الانتخاب وشرعية الكفاءة العلمية يشكل إحدى دعائم النموذج التنموي الجديد، القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والقرار بالمعرفة.
إن كسر الحواجز بين الجامعة والجماعة الترابية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة تفرضها تعقيدات المرحلة. فالجامعة، بما راكمته من خبرة بحثية، قادرة على إغناء النقاش العمومي، والجماعات الترابية، بحكم قربها من الواقع، قادرة على اختبار مدى واقعية السياسات العمومية. وبين الطرفين يتشكل فضاء للحوار المنتج، القادر على تحويل المعرفة إلى قوة اقتراحية مؤثرة.
قد تشكل هذه المبادرة نموذجًا يحتذى به لباقي المؤسسات الجامعية والجماعات الترابية، في أفق بناء شراكات مستدامة تجعل من البحث العلمي رافعة فعلية للتنمية المحلية. فالمستقبل لن يكون لمن يدبر الحد الأدنى، بل لمن يمتلك رؤية تستند إلى العلم، وجرأة في مساءلة الاختيارات، واستعداد لتحويل النقاش إلى فعل.
هكذا، تتحول ندوة بسطات من موعد أكاديمي إلى رسالة واضحة: زمن القطيعة بين الفكر والممارسة قد انتهى، وزمن التكامل بين القرار السياسي والعمق المعرفي قد بدأ.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

