التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا بين ضمان الأمن القومي والحفاظ على المصالح الخارجية

abdelaaziz66 يناير 2026Last Update :
التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا بين ضمان الأمن القومي والحفاظ على المصالح الخارجية

د. محمد شقير

 

بخلاف التدخلات العسكرية الأمريكية السابقة في عدد من مناطق الصراع حول العالم، شكّلت العملية العسكرية التي نفذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته منعطفًا جديدًا في المتغيرات الدولية، وآلية غير مسبوقة في أسلوب التدخل الأمريكي في إدارة الشؤون الدولية.

إذ لم يرتبط هذا التدخل فقط بحماية المصالح الأمريكية في منطقة ما تزال واشنطن تعتبرها ضمن مجالها الحيوي، بل جرى تسويغه أيضًا باعتباره جزءًا من ضمان الأمن القومي للولايات المتحدة.

اعتقال الرئيس الفنزويلي وضمان الأمن القومي الأمريكي

عقب العملية العسكرية الأمريكية التي استهدفت سيادة إحدى أكبر الدول النفطية في أمريكا اللاتينية، والتي جرى خلالها اعتقال الرئيس مادورو، المنتخب ديمقراطيًا، ونقله خارج البلاد، أوضح الرئيس ترامب، في كلمة رسمية، أن القوات المسلحة الأمريكية نفذت، بتوجيه مباشر منه، عملية عسكرية “استثنائية” في العاصمة الفنزويلية كراكاس، استخدمت فيها القوة الجوية والبحرية، واصفًا الهجوم بأنه “مذهل وغير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية”.

وعكست هذه التصريحات الرئاسية الطابع الاستثنائي للعملية، التي اعتُبرت غير مسبوقة من حيث طبيعتها وأهدافها، وهو ما يمكن تفسيره من خلال بعدين رئيسيين:

أولًا: البعد العسكري

ويتمثل في الدقة العالية التي ميّزت العملية، حيث أكد الرئيس الأمريكي أنها نُفذت “بسرعة وفتك ودقة”، دون تسجيل أي خسائر بشرية في صفوف القوات الأمريكية أو فقدان معدات عسكرية، وبمشاركة عدد كبير من المروحيات والمقاتلات والجنود.

وقد دعم هذا التوصيف وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث، الذي اعتبر العملية نموذجًا غير مسبوق من حيث البسالة والدقة والقوة، واصفًا إياها بـ”العملية المشتركة التي نُفذت بشكل مثالي”، ومنفذة على أيدي نخبة من أفضل جنود الولايات المتحدة، مؤكدًا أن المحاربين الأمريكيين “لا مثيل لهم في العالم”.

ثانيًا: البعد الأمني

ويرتبط بربط التدخل العسكري مباشرة بالحفاظ على الأمن القومي الأمريكي، لا سيما في إطار استراتيجية إدارة ترامب لمكافحة تهريب المخدرات. فقد ربط الرئيس الأمريكي العملية بالجهود الرامية إلى وقف تدفق المخدرات إلى الولايات المتحدة، معتبرًا أن نسبة كبيرة منها كانت تصل عبر البحر من فنزويلا.

كما اتهم مادورو بقيادة شبكة إجرامية منظمة، من بينها ما يُعرف بـ”كارتل دي لوس سوليس”، المسؤول – وفق الخطاب الأمريكي – عن وفاة آلاف الأمريكيين خلال السنوات الماضية. وبناءً عليه، جرى اعتقال مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية لمثولهما أمام القضاء، حيث وُجهت لهما تهم تتعلق بما وصفه ترامب بـ”إرهاب المخدرات”.

وفي هذا السياق، تعكس هذه العملية العسكرية غير المسبوقة، التي سُخّرت لها إمكانيات لوجستية وبشرية ضخمة، وفي خرق واضح لقواعد القانون الدولي ودون إعلان حرب رسمي، تداخلًا واضحًا بين السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة.

فقد قدّم الرئيس ترامب الاعتقال باعتباره امتدادًا لسياساته الداخلية في محاربة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، التي حمّل فنزويلا مسؤولية كونها مصدرًا وممرًا رئيسيًا لها، كما تأتي هذه العملية ضمن سياق انتخابي داخلي من شأنه تعزيز موقعه في انتخابات التجديد النصفي.

اعتقال الرئيس الفنزويلي والحفاظ على المصالح الأمريكية

يبدو أن هذه العملية العسكرية، بما رافقها من استعراض سياسي وإعلامي، استهدفت تحقيق هدفين استراتيجيين رئيسيين:

الهدف الاستراتيجي الأول

يتمثل في تعزيز الهيمنة الأمريكية في المجال الأمريكي اللاتيني، عبر إخافة أو احتواء الأنظمة اليسارية المناهضة للسياسة الأمريكية في المنطقة. إذ شدد الرئيس ترامب على أن العملية نُفذت بدقة عالية، وبأسلوب مشابه لعمليات سابقة استهدفت مواقع وشخصيات بالغة الحساسية، مؤكدًا عجز القدرات العسكرية الفنزويلية عن التصدي لها.

كما وجّهت الإدارة الأمريكية رسائل تحذيرية غير مباشرة لأنظمة أخرى مثل كوبا وكولومبيا، بإمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية مماثلة، وهو ما عززه وزير الدفاع الأمريكي بتأكيده أن خصوم واشنطن باتوا يدركون قدرة الولايات المتحدة على إسقاط قوتهم العسكرية “في أي وقت وأي مكان”.

الهدف الاستراتيجي الثاني

يكمن في احتواء المنافسين الدوليين، خصوصًا الصين وروسيا، في المنطقة. فاعتقال مادورو حرم بكين وموسكو من حليف استراتيجي كان يسهّل للصين الحصول على واردات نفطية مهمة، ويوفر لروسيا موطئ قدم في منطقة الكاريبي، التي تمثل خاصرة استراتيجية للولايات المتحدة.

وبالتالي، فإن نقل مادورو إلى نيويورك لمحاكمته يعيد ترسيخ الهيمنة الأمريكية في المنطقة، ويُكرّس العودة إلى مبدأ مونرو، الذي شدد عليه الرئيس ترامب، باعتباره إطارًا ناظمًا للنفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي.

إضافة إلى ذلك، فإن السيطرة المحتملة على أكبر احتياطي نفطي في العالم تمنح الولايات المتحدة ورقة استراتيجية لمنافسة النفط الروسي، وتقليص هامش المناورة لدى موسكو، وربما دفعها إلى تسريع تسوية النزاع الأوكراني، الذي تعهد ترامب بحله خلال حملته الانتخابية.

في المحصلة، تكشف هذه العملية عن استراتيجية أمريكية تسعى إلى إعادة تكريس قيادة الولايات المتحدة لنظام عالمي آخذ في التشكل في ظل تعددية قطبية، ترى واشنطن أنها الأجدر بالهيمنة عليه، مستندة إلى تفوقها العسكري، واستعدادها لاستخدام القوة لحماية مصالحها ومنع خصومها من التمدد داخل مجالات نفوذها الحيوية.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

Breaking News

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading