الدبلوماسي المغربي بوجميد، يتساءل؟ حين تُدار الحروب بلا رصاص: كيف أعادت السردية الإعلامية تشكيل ميزان القوة العالمي؟

abdelaaziz64 يناير 2026Last Update :
الدبلوماسي المغربي بوجميد، يتساءل؟ حين تُدار الحروب بلا رصاص: كيف أعادت السردية الإعلامية تشكيل ميزان القوة العالمي؟

د.بوجميد أيمن

حين تُدار الحروب بلا رصاص، يصبح المشهد الدولي أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه في نشرات الأخبار، إذ لم تعد الصراعات المعاصرة تبدأ بإطلاق النار ولا تُحسم بتوقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار، بل تُمهَّد وتُدار وتُشرعن عبر سرديات إعلامية محكمة الصياغة، قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجماعي وتوجيه الرأي العام العالمي قبل أن تتحرك الجيوش أو تُعلن المواقف الرسمية. لقد تغيّر شكل الصراع، وتحوّلت أدواته، وأصبح الرصاص أقل فتكًا من الصورة، وأضعف أثرًا من العنوان، وأبطأ انتشارًا من رواية تُبنى بعناية وتُضخ في الفضاء العام بلا مقاومة تُذكر.

 

في هذا السياق الجديد، لم يعد الانتصار العسكري كافيًا لتحقيق الغلبة السياسية أو الأخلاقية، إذ باتت المعركة الحقيقية معركة سرد، تُحدَّد فيها هوية الفاعلين، ويُعاد فيها ترتيب الأدوار بين ضحية ومعتدٍ، وبين دفاع وعدوان، وفق ميزان متغير تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه الوقائع. لقد انتقلت مراكز الثقل من ساحات القتال إلى المنصات الإعلامية، ومن غرف العمليات العسكرية إلى غرف الأخبار، حيث تُصاغ الأحداث وتُؤطَّر وتُقدَّم للرأي العام العالمي باعتبارها الحقيقة الممكنة، لا الحقيقة الكاملة.

 

لم يعد الواقع، في كثير من الأحيان، هو ما يحدث فعليًا على الأرض، بل ما يُسمح له بأن يُرى ويُسمع ويُتداول. فالإعلام، الذي طالما قُدِّم كوسيط محايد، أصبح في حالات كثيرة فاعلًا سياسيًا مؤثرًا، يمتلك القدرة على توجيه الإدراك الجماعي، وصناعة الإجماع، وتهيئة الأرضية النفسية والأخلاقية لقرارات سياسية مصيرية. اختيار المفردات، وتوقيت النشر، وانتقاء الصور، وطبيعة الضيوف، وترتيب الأخبار، كلها لم تعد تفاصيل تقنية بريئة، بل أدوات تأثير تُستخدم بدقة عالية، وحين يُقدَّم حدث ما خارج سياقه أو يُعزل عن جذوره التاريخية والسياسية، يتحول المتلقي، دون وعي منه، إلى شريك في إعادة إنتاج رواية ناقصة لكنها فعّالة.

 

وتبرز ازدواجية المعايير كإحدى أخطر تجليات هذا التحول، حيث لا تحظى جميع النزاعات بالتغطية نفسها، ولا يُمنح جميع الضحايا الصوت ذاته أو المساحة ذاتها من التعاطف. فثمة حروب تُضخَّم وتُستثمر أخلاقيًا وإعلاميًا، وأخرى تُهمَّش أو تُختزل أو تُبرَّر، لا لاعتبارات إنسانية، بل لحسابات سياسية واستراتيجية واضحة. تتبدل اللغة بتبدل الجغرافيا، فيُوصَف الحدث ذاته بأوصاف متناقضة حسب موقعه وموقع أطرافه في ميزان القوة، ما يساهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي ومنح شرعية أخلاقية لممارسات كان من الصعب تمريرها لو قُدِّمت بغير هذا الغلاف اللغوي المصقول.

 

في زمن السرعة والاختزال، تحولت الصورة إلى سلاح استراتيجي بامتياز، لا تُستخدم فقط للتوثيق، بل للتعبئة والتحريض والتبرير. صورة واحدة، منتقاة بعناية، قادرة على إشعال موجة غضب عالمية أو خلق تعاطف واسع أو دفع الرأي العام نحو قبول موقف سياسي معيّن. غير أن خطورة الصورة لا تكمن فقط في ما تُظهره، بل في ما تُخفيه خارج الإطار، وفي السياق الذي تُفصل عنه، إذ نادرًا ما يُمنح المتلقي الوقت أو الأدوات اللازمة للتفكيك والتحليل، فيتحول التأثر الإنساني المشروع إلى مدخل لتوجيه غير معلن.

 

في هذا المناخ، تراجعت فعالية الدبلوماسية التقليدية القائمة على القنوات الهادئة والمفاوضات المغلقة، مقابل صعود دبلوماسية إعلامية صاخبة تُدار عبر البيانات العلنية والتصريحات المتلفزة وحملات الضغط الرقمية. باتت الدول تخاطب الشعوب قبل أن تخاطب الحكومات، وتسعى إلى كسب الرأي العام العالمي باعتباره ورقة ضغط مباشرة، ومن يخسر المعركة الإعلامية يجد نفسه في موقع دفاعي حتى وإن امتلك مبررات قانونية أو سياسية متينة، إذ إن فقدان السردية غالبًا ما يعني فقدان القدرة على التأثير.

 

وسط هذا الاستقطاب الحاد، تواجه الدول المتوسطة تحديًا معقدًا يتمثل في كيفية الحفاظ على استقلال قرارها السيادي دون الانجرار إلى معارك سردية لا تخدم مصالحها الاستراتيجية. فالحياد، في زمن الحروب السردية، لم يعد صمتًا ولا انسحابًا، بل خطابًا محسوبًا وموقفًا متزنًا وقدرة على المناورة بين الضغوط، ما يجعل بناء خطاب إعلامي سيادي، ذكي ومتزن، ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن بناء التحالفات السياسية أو العسكرية.

 

إن أخطر ما في الحروب التي تُدار بلا رصاص هو أنها تُخاض باسم الحقيقة، دون أن تكون الحقيقة كاملة. فالعالم اليوم لا يحتاج مزيدًا من الأخبار العاجلة بقدر ما يحتاج وعيًا نقديًا، وقدرة على التمييز بين المعلومة والسردية، وبين الحدث وتأويله. وتقع على عاتق المؤسسات الإعلامية مسؤولية أخلاقية جسيمة في زمن التوترات العالمية، كما تقع على عاتق المتلقي مسؤولية الفهم لا الاكتفاء بالاستهلاك، لأن حماية السلم الدولي لم تعد رهينة الاتفاقيات وحدها، بل أصبحت رهينة كيفية رواية القصة، ومن يملك حق سردها.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

Breaking News

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading