الشرق : عبد الرحيم باريج
سجلت وطنيا حوالي 779 ألفا و319 قضية خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 الجارية، تشكل منها قضايا المس بالأشخاص وبالممتلكات حوالي 48 في المائة من مجموع القضايا المسجلة على المستوى الوطني. وتبقى الجريمة بالمغرب تبقى مركزة أكثر في المدن بنسبة 68 في المائة من مجموع الجرائم والمخالفات المسجلة؛ بينما يُسجل الباقي بالعالم القروي. وأفضت الإجراءات المتخذة وأخرى إلى تحقيق نسبة مهمة في حل القضايا المسجلة، خلال الثمانية أشهر الأولى من العام الجاري، حيث وصلت إلى 92 في المائة مع توقيف وإحالة ما يقارب 353 ألفا و236 شخصا على العدالة.
وتُعد جهة الشرق، بحدودها البرية والبحرية الممتدة من السعيدية إلى بوعرفة، واحدة من أكثر الجهات حساسية أمنيا في المغرب. وتكشف معطيات متقاطعة من مصادر قضائية وأمنية محلية بين 1 يناير و3 نونبر 2026، عن تحول واضح في بنية الجريمة. تراجع نسبي للجريمة العنيفة في المدن الكبرى، مقابل تصاعد الجريمة المنظمة العابرة للحدود في المجال القروي والشريط الحدودي.
الخريطة الإجرامية حضريا وقرويا وطبيعة الجرائم
تتكون الجهة من عمالة وإقليمين رئيسيين حضريا وستة أقاليم ذات طابع قروي وشبه حضري، عمالة وجدة-أنكاد، إقليم الناظور والدريوش وبركان وتاوريرت وجرادة وجرسيف وفجيج بوعرفة.
تستحوذ الخريطة الإجرامية للقطب الحضري وجدة-أنكاد والناظور – بركان، في مثلث يستحوذ على أكثر من 65 في المائة من القضايا المسجلة. تصدرت وجدة-أنكاد جرائم التزوير والإحتيال الرقمي. فككت المصلحة الولائية للشرطة القضائية في 12 أكتوبر 2026 شبكة مكونة من 8 أشخاص بينهم سيدة وذي سوابق، تنشط في تزوير محررات رسمية واستعمالها في ملفات تأشيرات شنغن بغرض الإتجار بالبشر وتنظيم الهجرة غير الشرعية، عملية تكررت بنفس التاريخ بتنسيق مباشر مع المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. وبرز ملف المحجز البلدي بوجدة الذي عاد إلى الواجهة استئنافيا في أكتوبر أمام استئنافية فاس، ويتعلق بشبكة 19 متهما استولوا على سيارات ودراجات محجوزة، أدينوا ابتدائيا بـ 36 سنة سجنا. وسجلت غرفة الجنايات بوجدة أيضا أحكاما وصلت إلى 12 سنة في ملفات الضرب المفضي للموت وتكوين عصابات إجرامية والسرقة الموصوفة بالسلاح. وكانت الناظور – الدريوش بؤرة التهريب الدولي، وحُجز خلال 10 أيام فقط من أكتوبر 183 كلغ من الشيرا في عمليتين بمعبر بني أنصار ومليلية. مكنت العملية الأولى في 4 أكتوبر من حجز 91 كلغ داخل سيارة بلوحات إسبانية. وتم إجهاض في ميناء بني نصار تهريب 141.750 قرص مخدر قادمة من إسبانيا مخبأة بسيارة خفيفة. وأوقفت الشرطة القضائية بالناظور في ميناء الصيد ببني أنصار 3٦ أشخاص بحوزتهم 375 كلغ من المخدرات داخل 20 حاوية بلاستيكية كانوا بصدد تهريبها دوليا.
وبرزت الجريمة السيبرانية، مثل قضية شاب 25 سنة بالناظور استولى على حوالات مالية بوثائق مزورة أنشأها بالذكاء الإصطناعي، وقضية انتهت بإدانة 20 سنة سجنا في ملف شبكة هجرة سرية بدواوير بن الطيب وتزطوطين انتهت بمآس إنسانية.
وتتغير في الأقاليم الداخلية والقروية (جرادة – تاوريرت – جرسيف – فجيج) طبيعة الجريمة من الربح السريع الحضري إلى اقتصاد التهريب والصراع على الموارد.
عرفت جرادة ووجدة القروية (بني درار – بني خالد)، في 7 أكتوبر 2026 إحباط درك بني درار محاولة تهريب دولي للمخدرات عبر الدرون قرب الشريط الحدودي مع الجزائر، وحجز 14 كلغ مخدرات داخل منزل بدوار أولاد حمو وتوقيف 4 أشخاص. وتسجل جرادة أيضا أعلى معدلات سرقة المواشي وسرقة الأسلاك النحاسية من المناجم المهجورة. ونجد في تاوريرت وجرسيف جرائم السطو على الطرق الوطنية N6 وN19، والإتجار في الوقود المهرب، بالإضافة إلى انتشار التنقيب غير القانوني عن الذهب في بعض المناطق الجبلية. وتعرف بوعرفة – فجيج خصوصية صحراوية، وتهريب السجائر والمواد المدعمة، والهجرة غير النظامية عبر المسالك الصحراوية، مع تسجيل قضايا تهريب الكيف عبر الإبل والدراجات الرباعية.
الجريمة حضرية وقروية (1 يناير – 3 نونبر 2026 مقارنة بنفس الفترة 2025)
عرف المجال الحضري (وجدة، الناظور، بركان) انخفاض الجريمة العنيفة المقرونة بالسلاح الأبيض بنسبة تقارب 12-15 في المائة بفضل انتشار كاميرات المراقبة ونظام التنقيط والتدخلات الإستباقية للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. وظهر ارتفاع بنسبة 23 بالمائة في الجرائم المستحدثة (التزوير الرقمي، النصب عبر وكالات تحويل الأموال، والإبتزاز الإلكتروني). وتفكيك الشبكات يتم غالبا بتنسيق ثلاثي (أمن وطني ومراقبة التراب الوطني وجمارك)، كما حدث في معبر بني أنصار.
يبرز الدرك الملكي في المجال القروي كالمؤسسة الأكثر التصاقا بالمواطن القروي تحت قيادة القيادة الجهوية بوجدة بإشراف الكولونيل ماجور أحمد وريث، وفق توصيف محلي لجهاز “لا يتدخل بعد الجريمة بل يرافق الفلاح والتلميذ يوميا”. وتشير حصيلة 2026 إلى يقظة استثنائية، من توقيفات يومية واسترجاع 23 رأس غنم في عملية واحدة يوم 21 أكتوبر كمثال على محاربة سرقة المواشي. وتعتبر الجريمة القروية أكثر عنفا ظرفيا لكنها أقل تنظيما (نزاعات أراضي، سرقة محاصيل، تهريب على نطاق صغير).
وتنتج المدينة كخلاصة، جريمة “ذكية” منظمة عابرة للحدود، والبادية تنتج جريمة “معيشية” مرتبطة بالحدود والتهريب البسيط. وتظهر الفترة من يناير إلى نونبر 2026 مقارنة بنفس الفترة من 2025 استقرارا أمنيا عاما مع تحول نوعي للجريمة نحو التكنولوجيا والمخدرات الصلبة.
مجهودات المنظومة الأمنية بالجهة
عرفت ولاية أمن وجدة والمناطق الأمنية بالناظور وبركان، تأمين حضري مكثف، تعيينات جديدة في أكتوبر 2026 ضخت دماء شابة في مناصب المسؤولية بوجدة والناظور ضمن دينامية داخلية لتجديد الكفاءات، وخطة استثنائية رأس العام شملت نشر عناصر الشرطة في المحاور الطرقية والمواقع الحيوية.
وتمت كل العمليات الكبرى بالناظور ووجدة في أكتوبر، بناء على معلومات دقيقة للعمود الفقري الإستخباراتي المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، كما في توقيف المهربين بميناء بني أنصار.
وأشرفت القيادة الجهوية بوجدة للدرك الملكي، على تغطية 124 جماعة ترابية 28 منها حضرية، بدوريات ليلية وسدود قضائية على محاور التهريب واستعمال الطائرات المسيرة لكشف عمليات التهريب بالحدود الشرقية، والحملة على اللحوم الفاسدة ومراقبة المحاور (حجز 227 كلغ لحوم غير صالحة في طنجة كمثال لليقظة العامة) تعكس نفس العقيدة.
وأمنت القوات المساعدة المعابر الغير رسمية والمناطق الجبلية، والجمارك شريك أساسي في كل حجز ببني أنصار وميناء بني نصار، بتنسيق وثيق وميداني مع الأمن، بينما تساهم مؤسسات السجون بوجدة والناظور في عزل الرؤوس المدبرة.
ولم يعد أمن جهة الشرق في 2026 مسألة عدد الموقوفين، بل مسألة قدرة على تفكيك اقتصاد الجريمة. ويثبت النجاح المسجل في معبر بني أنصار وبني درار أن التنسيق الرباعي (أمن وطني، درك، DGST، جمارك) هو صمام الأمان، لكن التحدي المقبل من الآن إلى نهاية العام سيكون الجريمة السيبرانية في وجدة والناظور، وعودة شبكات التنقيب وسرقة المواشي في جرادة وفجيج مع اقتراب فصل الشتاء.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


