ليست الجامعة مجرد مدرجات إسمنتية ولا مجرد شواهد تعلق على جدران البيوت بعد سنوات من الدراسة الجامعة هي المكان الذي تُصنع فيه الأفكار وتُختبر فيه الأسئلة ويُبنى فيه جزء من مستقبل الأمم.
لكن ماذا يحدث حين يجد الطالب نفسه بدل أن ينشغل بكتبه ومحاضراته وأبحاثه يطارد وثيقة إدارية بين المكاتب والمصالح ويجد مستقبله الدراسي معلقاً على شهادة يصعب عليه الحصول عليها؟
هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه أمام مساطر التسجيل المعتمدة في بعض مؤسسات جامعة القاضي عياض خصوصاً بالنسبة للطلبة الذين يُطلب منهم الإدلاء بشهادة عدم العمل المسلمة من السلطة المختصة.
فالطالب الذي اختار أن يعود إلى مقاعد الجامعة أو أن يواصل دراسته بعد انقطاع أو أن يبحث عن فرصة ثانية لبناء مستقبله قد يجد نفسه أمام متاهة إدارية لا علاقة لها بمستواه العلمي ولا بقدرته على التحصيل.
والأكثر إثارة للتساؤل أن جامعات مغربية أخرى اختارت طريقاً أكثر بساطة فجامعة شعيب الدكالي، مثلاً تعتمد بالنسبة لغير الأجراء التصريح بالشرف بعدم ممارسة أي نشاط مهني بما يجعل إثبات الوضعية المهنية يتم من خلال إجراء أبسط دون تحميل الطالب عبء الحصول على وثيقة من سلطة إدارية أخرى.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بوثيقة إدارية في حد ذاتها وإنما بفلسفة التعامل مع الطالب: هل نيسر له طريق العلم أم نضيف إلى طريقه عتبات إدارية قد لا تكون لها علاقة مباشرة بجوهر العملية التعليمية؟
إن أخطر ما يمكن أن تنتجه المساطر المعقدة ليس دقائق أو ساعات تضيع في طوابير الإدارات وإنما احتمال أن يفقد بعض الطلبة الرغبة أو القدرة على استكمال مسارهم الجامعي.
وطالب واحد ينسحب من الجامعة قد يبدو رقماً صغيراً في حسابات المؤسسات لكن وراء ذلك الرقم قد يكون مشروع باحث أو أستاذ أو مهندس أو صحافي أو طبيب أو خبيراً كان من الممكن أن يضيف شيئاً إلى المعرفة وإلى الاقتصاد وإلى المجتمع.
ومن هنا تبرز مسألة هدر البحث العلمي فكل طالب يغادر الجامعة قبل أن يستثمر قدراته العلمية يمثل، في جانب من جوانبها فرصة بحثية لم تُستثمر وفكرة ربما لم تولد واكتشافاً محتملاً لم ير النور.
الدول التي تراهن على المستقبل لا تنظر إلى الجامعة باعتبارها مجرد مؤسسة لتوزيع الشهادات وإنما باعتبارها خزّاناً للعقول ومختبراً للأفكار ومشتلاً للكفاءات وكلما سهلت الطريق أمام الطلبة للعلم والبحث زادت فرصها في إنتاج المعرفة وبناء اقتصاد قائم على الكفاءة والابتكار.
أما أن يصبح الطالب مطالباً بإثبات عدم عمله بوثيقة قد يصعب الحصول عليها في الوقت الذي يمكن فيه اعتماد تصريح بالشرف أو آلية رقمية للتحقق من الوضعية فإن الأمر يستحق على الأقل إعادة النظر والنقاش.
فالحديث هنا ليس عن راحة طالب في استكمال ملف إداري فحسب وإنما عن الحق في ألا تتحول الإجراءات إلى حاجز بين الإنسان والمعرفة.
والمغرب الذي يستعد لبناء غده يحتاج إلى كل عقل قادر على التفكير وكل شاب قادر على البحث وكل طالب يحمل حلماً علمياً أو مهنياً لذلك فإن تبسيط المساطر الجامعية ليس ترفاً إدارياً بل يمكن النظر إليه كجزء من الاستثمار في الإنسان.
فحين نفتح للطالب باب الجامعة لا ينبغي أن نغلق أمامه أبوابها بالمساطر لأن مغرب الغد لن يُبنى فقط بالإسمنت والطرق والمشاريع وإنما أيضاً بالعقول التي نمنحها فرصة التعلم، والبحث والابتكار والمساهمة في صناعة المستقبل.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

