بقلم : وهيبة وردي
في وقتٍ تلتهم فيه ألسنة اللهب أزيد من أربع وعشرين ولاية، وتتحول المساحات الخضراء والقرى المتاخمة للغابات إلى رماد تحت شمس الصيف الحارقة، تتجاوز الكارثة حدود المأساة البيئية لتتحول إلى اختبارٍ مكشوف ومباشر لعمق التحالفات ولجاهزية منظومات إدارة الأزمات.
النيران في الميدان.. واختبار الجاهزية
لم تكن مشاهد أعمدة الدخان المتصاعدة مجرد حدث مناخي عابر، بل كشفت عن اتساع الفجوة بين حجم الخطر الميداني والإمكانيات المتاحة لمواجهته. وفي الوقت الذي تجد فيه القرى والمواطنون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع خطر داهم، تتجه الأنظار نحو النجاعة الإدارية واللوجستية في التعاطي مع الطوارئ، حيث يفرض الواقع الميداني أسئلة ملحة حول مدى فاعلية استراتيجيات الاستجابة السريعة وتوفير وسائل الإغاثة والإطفاء الحديثة.
صمت العواصم.. وسؤال الشراكات الإقليمية
تُسقط الكوارث الطبيعية دائماً المساحيق الدبلوماسية، لتضع الخطابات والتحالفات الإقليمية أمام المحك الفعلي. وفي الوقت الذي كان يُنتظر فيه حضور إغاثي عاجل وجسور جوية لمساندة الجهود الميدانية، اقتصر حضور عدد من الحلفاء والشركاء التقليديين والإقليميين على البرقيات الروتينية والبيانات البروتوكولية.
إن هذا التباين الحاد بين التواجد الإعلامي المكثف في أوقات التجاذبات السياسية، والغياب الإغاثي الميداني لحظة الأزمة الإنسانية، يُعيد إلى الواجهة قراءة طبيعة الشراكات في المنطقة؛ حيث يتبيّن أن الرهان على المحاور الخارجية غالباً ما يصطدم بحسابات المصلحة الضيقة وتراجع الأولويات الإنسانية عندما يغيب العائد السياسي المباشر.
الحرب المعنوية والتجاذبات الإعلامية
في مقابل المشهد الإنساني القاسي على الأرض، شهدت المنصات والقنوات الفضائية سجالات محمومة خطفت الأضواء عن معاناة المتضررين. فبين محاولات التوظيف السياسي، وتصفية الحسابات الإقليمية، وإسقاط التفسيرات الجاهزة، أُفرغت الكارثة في كثير من الأحيان من بعدها الإنساني الشريف.
إن استغلال الأزمات الإنسانية والبيئية كمادة للسجال السياسي أو التجييش الإعلامي لا يخدم المتضررين في شيء، بل يشتت الجهود عن الأولوية القصوى المتمثلة في إنقاذ الأرواح، وحماية الممتلكات، وإعادة بناء ما دمرته النيران.
خلاصة القول: الدرس الإنساني والذاتي
بعيداً عن الحسابات الجيوسياسية والتجاذبات الإعلامية، تظل المعاناة الحقيقية محفورة في وجدان العائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها. والدرس الأبرز الذي تقدمه هذه الكارثة هو أن السيادة الحقيقية والأمان الفعلي يبدأن من بناء القدرات الذاتية، وتطوير البنيات التحتية الوطنية لإدارة المخاطر والكوارث، بعيداً عن الارتهان للوعود والتحالفات الخارجية التي سرعان ما تتبخر عند أول اختبار ميداني

اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

