حوار حصري فيصل مرجاني لـ “النهار نيوز المغربية”: “المغرب أولاً وأخيراً… والتعايش مشروع حضاري لا يمكن التراجع عنه”

abdelaaziz6منذ ساعتينآخر تحديث :
حوار حصري فيصل مرجاني لـ “النهار نيوز المغربية”: “المغرب أولاً وأخيراً… والتعايش مشروع حضاري لا يمكن التراجع عنه”

حوار حصري | فيصل مرجاني لـ “النهار نيوز المغربية”: “المغرب أولاً وأخيراً… والتعايش مشروع حضاري لا يمكن التراجع عنه”

 

حاوره: هيئة تحرير النهار نيوز المغربية

 

في المشهد المغربي المعاصر، قلّما توجد شخصية أثارت من النقاش والجدل ما أثاره السيد فيصل مرجاني. فبين مؤيد يرى فيه صوتاً جريئاً يدافع عن ثقافة التعايش والانفتاح، ومعارض يعتبر مواقفه خروجاً عن السائد، ظل اسمه حاضراً بقوة في واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي العلاقات المغربية الإسرائيلية ومستقبل التعايش في المنطقة.

 

على مدى سنوات، اختار مرجاني أن يسبح عكس التيار، مدافعاً عن السلام والحوار واستعادة *الذاكرة اليهودية المغربية* باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية للمملكة. وبين زياراته إلى إسرائيل، ومواقفه المثيرة للنقاش، تحول إلى أحد أكثر الوجوه حضوراً في هذا الملف الشائك.

 

في هذا الحوار الخاص والحصري على جريدة النهار نيوز المغربية* نقترب من الإنسان ومن صاحب الفكرة، ونحاول أن نفهم الدوافع والخلفيات والرؤية التي تقف وراء مواقفه، بعيداً عن الأحكام المسبقة.

 

السؤال الأول: هل أنتم صاحب مشروع فكري سابق لزمانه، أم دفعتم ثمن مواقف اختار كثيرون عدم المجاهرة بها؟

 

فيصل مرجاني: أولاً أشكر جريدة النهار نيوز المغربية وطاقمها الإعلامي التي أتاحت لي فرصة اللقاء مع الجمهور العربي بشكل عام.

 

ثانياً، قبل الإجابة أرى أنه من الضروري توضيح مسألة “إثارة الجدل”. لا يمكن الحديث عن فكر أو فلسفة خارج دائرة النقاش والتعدد والاختلاف، فهذه الأخيرة ليست حالة استثنائية بل هي جزء من طبيعة الفكر ذاته، وهي أيضاً من أسس أي ممارسة ديمقراطية حقيقية. ومن هذا المنظور فإن التعدد والاختلاف والثراء في الرؤى ليسا عناصر عرضية بل هما جوهر فكرة التعايش.

 

أما المشروع الفكري الذي أحمله فلا أتعامل معه بوصفه سابقاً لزمانه بقدر ما أراه امتداداً طبيعياً لتصورات كانت حاضرة في الوعي المغربي والإنساني وإن كانت اليوم تعيش نوعاً من التراجع في الحضور داخل المجال العمومي.

 

وفي ما يتعلق بثنائية “الثمن” و”المجاهرة” فأنا لا أتعاطى مع موقفي بوصفه كلفة شخصية، بل أعتبره تعبيراً عن قناعة فكرية تسعى إلى إعادة الاعتبار لرؤية التعايش التي لا أعتبرها فلسفة دخيلة على هذا المجتمع، بل متجذرة في عمقه التاريخي والثقافي.

 

السؤال الثاني: كيف تقيّمون اليوم زياراتكم إلى إسرائيل؟ وهل حققت الأهداف التي سعيتم إليها؟*

 

فيصل مرجاني: لا أتعامل مع زيارة إسرائيل من منطق التحريم الإيديولوجي أو الأحكام الجاهزة. بالنسبة لي هي قبل كل شيء تجربة مباشرة لفهم واقع معقّد يتجاوز الصورة الأحادية التي تُنتجها الخطابات المؤدلجة.

 

هذه الزيارات تندرج ضمن رؤية تقوم على الاقتراب من الواقع كما هو لا كما يُرسم في الذهن. فالفهم لا يُبنى من الخارج بل من الاحتكاك المباشر بالتجارب والناس والسياقات.

 

كما أن البعد الإنساني يظل حاضراً، سواء من خلال اللقاء مع أفراد من خلفيات متعددة، أو من خلال إعادة اكتشاف امتدادات الذاكرة المغربية لدى يهود من أصول مغربية، بما يعكس استمرار روابط تاريخية وثقافية لا تُختزل في السياسة وحدها.

 

السؤال الثالث: هل حان الوقت لإعادة تعريف مفهوم “العدو” و”الحليف” في الوعي المغربي؟

 

فيصل مرجاني: يتحمل المواطنون جميعاً مسؤولية واعية تجاه أمنهم القومي، وهو ما يقتضي اعتماد *مقاربة تقوم على الواقعية الاستراتيجية* بدل الانفعالات الإيديولوجية.

 

ومن هذا المنطلق يصبح من الطبيعي إعادة ترتيب الأولويات وفق ما يخدم المصالح العليا للمغرب. العالم اليوم لا يمنح هامشاً واسعاً للحياد السلبي، بل يفرض على الدول إعادة تقييم مستمرة لمحيطها الاستراتيجي.

 

إعادة التفكير في مفاهيم “الصديق” و”الحليف” و”الخصم” لا تعني القطيعة مع الثوابت بقدر ما تعني تطوير أدوات الفهم بما يتلاءم مع تعقيدات النظام الدولي. فالعلاقات بين الدول دينامية تتغير وفق المصالح والظروف.

 

السؤال الرابع: تقديم قميص المنتخب المغربي لرئيس إسرائيل أثار زلزالاً على مواقع التواصل. هل كانت مبادرة رمزية أم رسالة سياسية؟

 

فيصل مرجاني: تقديم هذه الهدية الرمزية لفخامة الرئيس إسحاق هرتسوغ لا ينبغي اختزاله في قميص، بل هو *رمز يحمل خريطة المغرب كاملة* بدلالات سيادية ووطنية واضحة. والاعتراف الإسرائيلي بمغربية الصحراء يشكّل سياقاً سياسياً لا يمكن فصله عن هذه الرمزية.

يمكن قراءة المبادرة باعتبارها تعبيراً عن إرادة سياسية ورمزية في آن واحد، تروم ترسيخ فكرة الصداقة المغربية الإسرائيلية ضمن أفق من التفاهم والتعاون، وهي صداقة تمتد إلى مستويات اجتماعية وثقافية متعددة.

 

السؤال الخامس: أين يضع فيصل مرجاني الخط الفاصل بين “التعايش” و”التطبيع”؟

 

فيصل مرجاني: اختزال التعايش في بعده الثقافي الضيق هو اختزال مخلّ. فالتعايش هو *بنية فكرية تقوم على الاعتراف بالاختلاف* وتنظيم العلاقة معه داخل فضاء إنساني وسياسي معقد.

 

أما التطبيع فهو مفهوم في العلاقات الدولية يرتبط بإعادة تنظيم العلاقات بين كيانات سياسية وفق اعتبارات السيادة والمصالح. ومحاولة فصله كلياً عن أفق التعايش تؤدي إلى تبسيط لا يعكس تعقيد الواقع.

 

أما بخصوص جمعية “مغرب التعايش” فالإشكال ليس في الخروج عن المجال الثقافي، بل في حدود هذا المجال ذاته: هل يبقى التعايش خطاباً قيمياً عاماً أم يتحول إلى ممارسة فكرية ومدنية تسائل البنى السياسية والاجتماعية؟

 

السؤال السادس: لماذا ما زالت الذاكرة اليهودية المغربية تثير حساسية؟

 

فيصل مرجاني: الدفاع عن الذاكرة اليهودية المغربية هو *دفاع عن حقيقة تاريخية ممتدة لأكثر من 2500 سنة*، وعن أحد المكونات الأصيلة التي أسهمت في تشكيل الهوية المغربية.

 

المسألة لا تتعلق باليهود المغاربة كجماعة تاريخية مندمجة، ولا بإسرائيل كمعطى سياسي، بقدر ما تتعلق بصراع حول طبيعة الذاكرة الوطنية: هل هي ذاكرة متعددة ومركبة أم سردية أحادية تُعاد صياغتها وفق منظور إيديولوجي ضيق؟

 

إن ما يثير الإشكال فعلياً هو تلك المقاربات التي تشتغل بمنطق الإقصاء الرمزي وتسعى إلى إعادة إنتاج هوية مغربية أحادية. ورغم جهود الدولة في تثمين التعدد، فإن جزءاً من النقاش العمومي ما يزال رهين تصورات متحفظة.

 

السؤال السابع: ما أصعب لحظة واجهتموها؟ وهل فكرتم في التراجع؟

 

فيصل مرجاني: لم أواجه لحظات أعتبرها صعبة، لأنني أنطلق من قناعة راسخة بأن الاختلاف جزء طبيعي من الحياة الفكرية. التحدي الحقي ليس في مواجهة الأفراد، بل في مواجهة *منطق الإقصاء والانغلاق*.

 

أما فكرة التراجع فلم تكن يوماً مطروحة. بل على العكس، هذه التجارب جعلتني أكثر اقتناعاً بأهمية الدفاع عن التعايش باعتباره مشروعاً حضارياً يقوم على رفض الغلو والإقصاء، وعلى ترسيخ ثقافة الحوار.

 

السؤال الثامن: ما أكبر صورة نمطية خاطئة اكتشفتموها؟

 

فيصل مرجاني: لدى جزء من المغاربة، أكبر صورة نمطية هي تصوير المجتمع الإسرائيلي ككتلة واحدة مغلقة، بينما الواقع أكثر تعقيداً وتنوعاً، ويضم عرباً ومسلمين ومسيحيين ودروزاً وبهائيين وغيرهم.

 

أما الإسرائيليون، فليس لديهم تصور سلبي عن المغرب. بل العكس، المغرب حاضر لديهم كبلد ذي قيمة تاريخية وحضارية خاصة، وخصوصاً لدى يهود من أصول مغربية يرون فيه ذاكرة حية مرتبطة بالتعايش الذي طبع قروناً من التاريخ المغربي.

 

السؤال التاسع: هل السلام سيصنعه المجتمع المدني أم أن الواقع السياسي أقوى؟

 

فيصل مرجاني: جزء كبير من المجال السياسي ما زال محكوماً بمنطق إيديولوجي يضعف القدرة على قراءة الواقع ببراغماتية. وأخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل القضايا إلى أدوات للتعبئة العاطفية بدل النقاش العقلاني.

 

لهذا السبب تُعتبر الأصوات التي تدافع عن الحوار جريئة. ومن هنا تأتي أهمية المجتمع المدني ومبادرات التعايش، لأن بناء السلام لا يبدأ فقط من الاتفاقيات السياسية بل من تغيير طريقة تفكير المجتمعات. فالسلام المستدام يحتاج إلى مجتمعات قادرة على قبول التعدد، لأن التنوع ليس تهديداً للهوية بل أحد شروط قوتها.

 

السؤال العاشر: رسالتكم في جملة واحدة للشباب المغربي؟*

 

فيصل مرجاني: رسالتي لكل مغربي هي أن ندرك أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالانغلاق بل بالوعي بمصالحه.

 

فالمغرب لم يبنِ قوته بإلغاء الاختلاف بل بقدرته التاريخية على تحويل تعدده إلى رصيد حضاري وسياسي. وفي ظل تحولات منطقتنا، فإن الرهان الحقي هو أن نكون فاعلين في صناعة المستقبل وليس أسرى لصراعات الآخرين.

 

لذلك أقول وأكرر وبوضوح: المغرب أولاً وأخيراً.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading