من يقف وراء هندسة التصاميم القطاعية وتأجيل التنمية بجماعة سيدي يحيى زعير

ناشر الموقعمنذ ساعتينآخر تحديث :
من يقف وراء هندسة التصاميم القطاعية وتأجيل التنمية بجماعة سيدي يحيى زعير

سيدي يحيي زعير / متابعة

 

تكتسي وثائق التعمير في المنظومة التشريعية المغربية صبغة مصيرية تتجاوز البعد التقني الجاف، لتشكل المحرك الأساس لقطار التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، والضامن الأوحد لحقوق الساكنة وملاك الأراضي في تخطيط مجالي عادل ومتوازن، غير أن الممارسات التعميرية التي تشهدها جماعة سيدي يحيى زعير في الآونة الأخيرة باتت تعاكس هذا المنطق القانوني والتنموي بشكل صارخ، مما يضع أداء الوكالة الحضرية والجهات الموجهة لقراراتها خلف الستار في مرمى المساءلة الشعبية والمؤسساتية، ويفجر علامات استفهام حارقة حول الخلفيات الحقيقية لترتيب أولويات التعمير بالمنطقة.

وتتجلى أولى مظاهر هذا الخلل في تلك الحماسة المفرطة والاجتهاد غير المسبوق الذي تبدله الوكالة الحضرية لإخراج وتوسيع وثائق تعميرية استثنائية، تمثلت في صياغة تصميم تهيئة قطاعي خاص بالمقالع في منطقة بكر غنية بالغابات والأودية والفرش المائية الحساسة، ولم تقف هذه الدينامية الموجهة عند هذا الحد، بل تلتها العودة السريعة اليوم بمشروع جديد يرمي إلى توسيع نطاق هذا التصميم القطاعي ليتكامل مع تصميم قطاعي آخر خاص بالفلاحة.

إن هذا التناسل السريع لوثائق التعمير التجزيئية يعكس رغبة واضحة في القفز على الضوابط التي تحكم إعداد الوثائق الشاملة، حيث يفرض المنطق التشريعي السليم أنه كلما دعت الضرورة لإدخال تعديلات مجالية، يتم اللجوء إلى مراجعة وتعديل التصميم الأصلي العام لضمان الانسجام المجالي والعدالة العقارية، وليس تفتيت تراب الجماعة وجعل الاستثناء العقاري والتجاري قاعدة سائدة لا تستند في جوهرها إلى أي أساس قانوني صلب، بل تفصل على مقاس أنشطة استخراجية تنهك البيئة وتدمر النظم الإيكولوجية.

وفي مقابل هذه السرعة الفائقة والحرص الشديد على خدمة منطقة المقالع وتأمين امتداداتها الاستثمارية، تصطدم المصالح المشروعة لساكنة جماعة سيدي يحيى زعير بجمود وتجميد غير مفهوم للتصميم الرئيسي الشامل للجماعة، والذي احتجزت وثيقته في رفوف التأجيل بالرغم من أن آثار منفعته العامة قد انتهت صلاحيتها القانونية مع بداية سنة ألفين وخمسة وعشرين.

لقد كان حريا بالوكالة الحضرية، من باب المسؤولية الإدارية والاستباقية التنموية، أن تطلق الدراسات التقنية والتشخيصات المجالية اللازمة قبل هذا التاريخ بسنوات، لإخراج الوثيقة المرجعية الجديدة في وقتها المحدد بدل ترك الجماعة في حالة فراغ تعميري قاتل، إن احتجاز هذا التصميم الشامل، الذي يدور وجود التنمية الحقيقية وعدمها حول مقتضياته، يساهم مباشرة في تجميد الاستثمارات المنتجة والمشاريع الإستراتيجية كالملفات الصحية والتعليمية ومناطق الأنشطة الاقتصادية النظيفة، مثلما يلحق أضرارا بليغة بملاك الأراضي والساكنة المحلية الذين وجدوا أنفسهم في وضعية جمود عقاري قسري أدى إلى تراجع قيمة ممتلكاتهم وحرمانهم من حقهم في البناء والاستقرار، فضلا عن إفراغ التصميم الأصلي من هيبته وقيمته القانونية بعدما مزقته الجغرافيا المصطنعة للتصاميم القطاعية الموجهة.

هذا التناقض الصارخ في التعاطي مع الملفات يوازيه تغييب تام للمقاربة التشاركية والحكامة الجيدة التي نص عليها الدستور المغربي كدعامة أساسية لدولة الحق والقانون والمؤسسات، فالوكالة الحضرية تصر على تبني مقاربة عمودية منغلقة في تدبير تعمير جماعة سيدي يحيى زعير، مستعينة بسياسة الآذان الصماء تجاه المطالب الملحة والمتكررة للساكنة وملاك الأراضي المتضررين.

هذا التذمر المحلي تجاوز حدود الجماعة ليصل إلى قبة البرلمان عبر توجيه أسئلة برلمانية واضحة ومباشرة تسائل الوزارة الوصية عن مآل تصميم التهيئة الخاص بالجماعة، إلا أن الأجوبة الشافية بقيت غائبة في غياب إرادة حقيقية لرفع التجميد، والأخطر من ذلك هو إقصاء الفرقاء الاقتصاديين والاجتماعيين المحليين من أي مشاورات حقيقية، وامتداد هذا الحصار التواصلي ليشمل حتى الممثلين الشرعيين للساكنة داخل المجلس الجماعي، حسب ما تناقلته مواقف وتدوينات بعض المستشارين الجماعيين أكدوا فيها جهل المجلس بما يطبخ في الغرف المغلقة بعيدا عن قاعة الاجتماعات الرسمية ومصالح المواطنين.

أمام هذا الوضع المقلق والمنذر بنسف المستقبل البيئي والتنموي لجماعة سيدي يحيى زعير، وأمام إصرار الإدارة التعميرية على تغليب كفة على حساب الرؤية التنموية الشاملة والمستدامة للمنطقة، لم يعد الصمت مقبولا، وبات التدخل المركزي من طرف سلطات الرقابة حتمية استعجالية لردع هذا الانحراف وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح.

إن الساكنة المحلية ومكونات المجتمع المدني والحقوقي يوجهون نداء عاجلا لوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة من أجل فتح تحقيق معمق حول أسباب وخلفيات تعثر وتأخير إخراج التصميم الرئيسي للجماعة وتفكيك ترابها عبر تصاميم قطاعية مشبوهة، كما يطالبون المجلس الأعلى لإعداد التراب الوطني بالتدخل الفوري لوقف مشروع توسيع تصميم المقالع وإعادة قاطرة التعمير بالمنطقة إلى سكتها التنموية والبيئية الصحيحة، بما يضمن استدامة الثروة الغابوية وحماية الأودية وتحقيق غايات النموذج التنموي الجديد الذي يضع كرامة المواطن وحماية مقدرات الوطن فوق كل اعتبار فئوي ضيق.


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading