إعداد محمد صلاح الدين البقاري
الرباط / 20 أبريل 2026/ أصبح إحداث شبكة مراكز القرب للصحة النفسية بجهة الرباط–سلا–القنيطرة ضرورة ملحة لتخفيف الضغط الذي يعرفه مستشفى الرازي بمدينة سلا و لضمان العدالة الصحية، وتعزيز الموارد البشرية في ظل التزايد المستمر في الطلب على خدمات العلاج النفسي والعقلي.
وتعد هذه المؤسسة الإستشفائية من أبرز المرافق التي تعكس حجم هذا الضغط، حيث لا تتجاوز طاقتها الاستيعابية 176 سريرا، ما يجعلها تواجه اكتظاظا كبيرا يؤثر على جودة الخدمات المقدمة ،حيث تستقبل كل يوم حوالي 75 حالة مستعجلة ،و160 استشارة طبية .
ولتجاوز هذه الإكراهات، يبرز خيار إحداث مراكز القرب للصحة النفسية كحل عملي وفعال، على أن تتراوح طاقتها الاستيعابية ما بين 20 و30 سريرا بما يسمح بتقريب الخدمات من المواطنين وتخفيف العبء عن المؤسسات الاستشفائية الكبرى. كما يقترح إحداث مراكز إقليمية بطاقة تتراوح بين 40 و60 سريرا، لتلعب دورا تكميليا في توفير الرعاية المتخصصة.
ولا يقتصر هذا التصور على البنية التحتية فقط، بل يشمل أيضا اعتماد فرق متنقلة للرعاية النفسية، تكون قادرة على التدخل الميداني ومواكبة المرضى داخل محيطهم الأسري والاجتماعي. من اجل تعزيز استمرارية العلاج، والمساهمة في الحد من الانتكاسات، والتحسين من فعالية التكفل بالحالات النفسية والعقلية.
وفي هذا السياق اجمع المهتمون بالصحة النفسية ان تبني هذا النهج المتكامل من شأنه أن يشكل خطوة نوعية نحو إرساء منظومة صحية نفسية أكثر إنصافا ونجاعة، قادرة على الاستجابة لتحديات الحاضر وضمان كرامة المرضى وجودة حياتهم.
وكشفت معطيات حديثة صادرة عن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية برسم سنتي 2024-2025 أن حوالي 48.9% من المغاربة يعانون من اضطرابات نفسية خلال مرحلة ما من حياتهم، تشمل الاكتئاب والقلق والذهان. وهو رقم يعكس اتساع نطاق المعاناة النفسية، ويؤكد أن الأمر لم يعد حالات فردية معزولة، بل تحديا صحيا ومجتمعيا واسعا.
واشارت شهادات عدد من أسر المرضى إلى أن الولوج إلى العلاج في القطاع العمومي يظل معقدا، حيث يضطر المرضى إلى التوجه إلى أقسام المستعجلات في ساعات مبكرة جدا، على أمل الحصول على سرير داخل المستشفى لتلقي العلاج خلال مدة الاستشفاء ، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر العلاج وتفاقم الحالات، خاصة الاضطرابات الحادة التي تستدعي تدخلا عاجلا.
وأمام هذا الوضع، تضطر بعض الأسر إلى اللجوء إلى المصحات الخاصة، التي توفر خدمات أسرع، غير أن ارتفاع تكاليف العلاج يجعلها حلا غير متاح لعدد كبير من المواطنين، مما يعمق الفوارق الاجتماعية في الولوج إلى العلاج.
وحذر اطباء الامراض النفسية والعقلية من مخاطر تعاطي المخدرات، خاصة في سن مبكرة، لما لذلك من تأثير سلبي على الدماغ النامي، وزيادة خطر الإصابة باضطرابات نفسية مزمنة مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب.
وأوضحوا أن مريض الذهان غالبا ما يفتقد الوعي بسبب مرضه، مما يجعله عرضة للتوقف المفاجئ عن العلاج، وهو ما يؤدي إلى عودة الأعراض بشكل حاد، مثل الهلاوس والضلالات والاضطرابات السلوكية، مشددين على أهمية اعتماد الحقن طويلة المدى كخيار علاجي فعال ، حيث تُعطى هذه الحقن بشكل شهري أو كل ثلاثة أشهر، وتساهم في ضمان استمرارية العلاج وتقليل خطر الانتكاس، خصوصًا لدى المرضى الذين يجدون صعوبة في الالتزام بتناول الاقراص يوميا.
واكدوا على ضرورة تعزيز التنسيق بين الوزارة الوصية ، وشركات الأدوية، والمنظمات المدنية، في إطار الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2024-2030، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات، وتوفير الأدوية بأسعار مناسبة، وتشجيع التصنيع المحلي ودعم الأدوية الجنيسة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دور الجمعيات المدنية التي تعمل في مجال الصحة النفسية في تقديم الدعم النفسي لأسرة المصابين بهذه الامراض ، وتنظيم حملات تحسيسية وتوعوية عبر وسائل الإعلام، بمشاركة أطباء متخصصين، بهدف نشر الوعي حول أسباب الأمراض النفسية وضرورة العلاج المنتظم.
ويبقى واقع الصحة النفسية في المغرب مؤشرا واضحا على الحاجة الملحة لإصلاح هذا القطاع، ليس فقط من منظور صحي، بل باعتباره ركيزة أساسية للتنمية الاجتماعية والاستقرار المجتمعي وحق أساسي من حقوق الإنسان، يستوجب استثمارا جادا وإرادة سياسية قوية لضمان كرامة المرضى وتكافؤ الفرص في العلاج.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

