أجرى الحوار السيد: محمد اكن
اولا : دعني سيدي الرئيس ان ابدا:
من هي الحكومة السورية في المنفى ؟
وكيف تم تشكيلها؟
الإجابة 1.
وعليكم السلام.
الحكومة السورية في المنفى هي مبادرة سياسية وطنية نشأت في ظل الانتفاضة السورية و نتيجة انقلاب الجيش والأمن ضد الشعب ومطالبه المحقه ووقوع سورية تحت الاحتلالات و استجابةً للفراغ الذي أصاب المعارضة السورية بعد فقدانها السيطرة وارتهان جزء منها إلى أجندات خارجية و أيديولوجية ومنها مايخدم مشاريع توسعية خارجية، وتهدف الحكومة السورية في إلى تمثيل تطلعات الشعب السوري نحو الاستقرار، والعدالة، وبناء دولة معرفية قائمة على سيادة القانون.
لقد تم تشكيل هذه الحكومة من خلال مشاورات موسّعة ضمّت شخصيات وطنية من مختلف الاختصاصات والخلفيات، سعت إلى بلورة رؤية مشتركة لإدارة مرحلة انتقالية مسؤولة، مع التركيز على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وصون كرامة الإنسان السوري، وتعزيز فرص السلام.
ومرت بعدت مراحل من عام 2013 وتم بناءها على أسس السلام الإبراهيمي في عام 2016 حتى الإعلان الرسمي عنها عام 2019 تحت شعار السلام لسورية _ السلام للشرق الأوسط _ السلام للعالم أجمع.
السؤال 2.
كيف تقيّمون اليوم الفارق الجوهري بين نهج نظام بشار الأسد ونهج قوى مثل أبو محمد الجولاني، في ظل تدخلات إقليمية مباشرة من إيران وتركيا، وتأثير غير مباشر لـإسرائيل؟ وهل بات الصراع على سوريا صراع مشاريع خارجية أكثر منه صراعًا داخليًا؟
الإجابة 2.
يمكن القول إن آل الأسد و الجولاني وجهان لعملة واحدة و الفارق بين نهج الأسد و أبو محمد الجولاني و القوى الفاعلة على الأرض لا يكمن فقط في الأدوات، بل في طبيعة المشروع ذاته. فبينما كان الأسد يعتمد على نظام مركزي أمني وتحالفات مع محور الشر بغطاء قومي يصدر الإرهاب والمخدرات إلى دول العالم
يسعى اليوم الجولاني والفصائل على الأرض إلى استيراد الإرهاب والتطرف من جميع دول العالم وتحويل سورية إلى نظام أحادي إقصائي تكفيري يهدد استقرار المنطقة.
في الحالتين يدفع السوريون الثمن في ظل تحول سورية إلى تقاطع مشاريع إقليمية ودولية حيث تتداخل قوى متعددة وغياب الإدارة الوطنية والارتهان الخارجي لها.
السؤال 3.
في هذا المشهد المعقد، أين تتموضع الحكومة السورية في المنفى بقيادتكم من معادلة الشرعية؟ وكيف يمكن لمشروعكم أن يفرض نفسه في ظل توازنات تهيمن عليها قوى إقليمية ودولية؟
الإجابة 3.
لكي تعلموا ما يُسمّى اليوم بـ”الشرعية” في سورية هو في جزء كبير منه شرعية مفروضة بقوة السلاح أو محكومة بحسابات الخارج، وليس تعبيرًا حقيقيًا عن إرادة السوريين.
نظام الأسدين هو انقلاب عسكري و فقد جوهر الشرعية حين ربط بقاءه ببنية دعم خارجي، وعلى رأسها ملالي طهران الإرهابي ، حتى بات القرار السيادي مرتهنًا .
نظام الجولاني وسلطة الأمر الواقع لم تقدّم بديلًا وطنيًا حقيقيًا، بل أعادت إنتاج أنماط سلطوية محلية بواجهات مختلفة، وضمن توازنات تخضع بدورها لتأثير مباشر من دول إقليمية .
أما نحن في الحكومة السورية في المنفى نستمد شرعيتنا من القوانين الدولية وإلى الأعراف الدبلوماسية المستقرة، وكذلك إلى التجارب التاريخية المتعددة للحكومات في المنفى التي نشأت في سياقات مشابهة في حالة وجود ثورة شعبية أو انقلاب عسكري أو حرب واحتلال.
في الحالة السورية فإن مجمل العناصر متوفرة من وجود ثورة شعبية و انقلاب الجيش على الشعب ووقوع سورية تحت الاحتلالات حتى عندما ترتهن قوى مسلحة محلية تحت أجندات خارجية تصبح البندقية محتلة .
نحن مشروعنا هو السلام الإبراهيمي و نحن نطرح مشروعًا يستعيد القرار الوطني من الارتهان، ويعيد تعريف الدولة بوصفها عقدًا بين السوريين، لا منصة لتقاطع النفوذ الخارجي.
مشروعنا لن يفرض نفسه بالقوة، لكنه سيفرض نفسه بالضرورة، لأن البدائل القائمة أثبتت عجزها. وعندما تصل الأطراف الدولية والإقليمية إلى قناعة بأن استمرار الوضع الحالي مكلف وغير قابل للاستدامة، سيكون لا بد من شريك سوري يمتلك رؤية واضحة وإرادة مستقلة وهنا تحديدًا نتموضع.
ونحن اخترنا أن نكون في الجهة التي تعيد سورية إلى مكانتها التاريخية والحضارية .
السؤال 4.
إلى أي حد ما زال الشعب السوري قادرًا على التأثير في مسار الأحداث، مقابل ثقل اللاعبين الخارجيين مثل تركيا في الشمال وإيران في دعم النظام، مع استمرار التوترات المرتبطة بـإسرائيل في الجنوب؟
الاجابة 4.
قدرة السوريين اليوم على التأثير ليست مباشرة كما كانت في بدايات الانتفاضة ، لكنها لم تختفِ. ومع ذلك، فإن أي مشروع خارجي مهما بلغ نفوذه يبقى محدود الاستدامة إذا لم يجد قبول داخلي لأنهم يجهلون جينات الشعب السوري. وهنا تكمن نقطة القوة السورية الكامنة لا يمكن فرض استقرار دائم دون توافق وطني، ولا يمكن لأي قوة إقليمية أن تدير سورية . لأن الشعب السوري يدير نفسه بنفسه .
لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس فقط في تقليص نفوذ الخارج، بل في إعادة بناء الإنسان السوري لبناء وطن حقيقي قوي لبناء شرق أوسط صحيح .
السؤال 5.
كيف تنظرون إلى دور الطائفة الدرزية في ظل هذه التوازنات الحساسة، خاصة في مناطق قريبة من خطوط تماس إقليمية؟ وهل يمكن أن تشكل عامل استقرار داخلي رغم تجاذبات الخارج؟
الإجابة5.
نؤكد بدايةً أن الدروز هم سوريون قبل أي اعتبار آخر، وأن الانتماء الوطني يجب أن يعلو على أي تصنيف طائفي. فهم، كغيرهم من أبناء الشعب السوري، لهم كامل الحقوق وعليهم ذات الواجبات ضمن إطار دولة واحدة جامعة. ولاننسى الشيخ سلطان باشا الأطرش قائد الثورة السورية الكبرى الذي قاد الثورة تحت شعار الدين لله و الوطن للجميع .
إن الاعتداءات والمجازر التي تعرّضت لها مجتمعاتهم، سواء من قبل جهات إقليمية أو فصائل متطرفة تكفيرية، تُعدّ جرائم حرب مدانة بكل المعايير القانونية والإنسانية، ولا يمكن تبريرها أو القبول بها تحت أي ظرف.
ومن موقعنا، عملنا في الحكومة السورية في المنفى بشكل جاد على الدفع نحو مسارات مصالحة وطنية حقيقية، هدفها تعزيز اللحمة الوطنية وترسيخ التعايش المشترك، خاصة في الجنوب السوري. وقد بذلنا جهودًا ملموسة لإطلاق مبادرات تهدف إلى إعادة الاستقرار واحتواء التوترات قبل تفاقمها.
إلا أن هذه المساعي اصطدمت بتعقيدات الواقع الميداني، وبمواقف بعض القوى المحلية على الأرض، ما أدى إلى تأخير تنفيذ عدد من هذه المبادرات، رغم الحاجة الملحّة إليها.
ومع ذلك، نؤمن أن خيار المصالحة الوطنية الشاملة وبناء عقد اجتماعي يبقى الطريق الوحيد لاستعادة الاستقرار، وصون كرامة جميع السوريين، وبناء دولة تقوم على المواطنة لا الانقسام.
السؤال 6.
في ظل هذا التشابك بين النفوذ المحلي والإقليمي، كيف يمكن تجنب سيناريو استبدال استبداد بآخر، سواء بغطاء أمني مدعوم من الخارج أو بغطاء ديني يجد دعمًا من قوى إقليمية؟
الإجابة 6.
سواء جاء الاستبداد بلباس “الاستقرار الأمني” المدعوم خارجيًا، أو بغطاء أيديولوجي ديني يختطف الدولة والمجتمع، فإن النتيجة واحدة: إلغاء الإنسان السوري وتحويله إلى تابع ضمن مشروع إرهابي لا يمثّله.
وانطلاقًا من رؤيتنا، فإن السلام الإبراهيمي لا يُعد مجرد خيار سياسي، بل مسارًا تحوليًا ينهي إرث اتفاق سايكس–بيكو، ويضع حدًا لصراع الحضارات الذي استنزف المنطقة لعقود. إن هذا السلام، بما يحمله من أفق تكاملي، يشكّل مدخلًا حقيقيًا لإنهاء جميع أشكال الوصاية، ويفتح الطريق أمام سقوط بنى الاستبداد في سورية والشرق الأوسط، وإعادة سورية إلى موقعها الطبيعي كمركز للنور والتلاقي الحضاري.
ومن هذا المنطلق، نرى أن كسر المعادلة القائمة يبدأ بفرض معايير غير قابلة للتفاوض على أي مسار سياسي قادم: سلطة مدنية علمانية خاضعة للمساءلة، احتكار الدولة للسلاح ضمن مؤسسات شرعية، ورفض أي تشكيلات موازية أو كيانات خارج إطار الدولة. هذه ليست شعارات، بل أسس تأسيسية لدولة قابلة للحياة والاستمرار.
إن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط إسقاط نموذج قائم، بل منع ولادة نموذج أكثر خطورة بوجه جديد. والسلام الإبراهيمي، بما يمثّله من تحول جذري في بنية الصراع، هو الأداة التاريخية الكفيلة بإنهاء هذه الحلقة، وفتح أفق جديد لسورية وإسرائيل معا وتحالف امني واقتصادي وسياسي يضمن استقرارًا وسلامًا مستدام .
السؤال 7.
إذا كان الحل السياسي يمر حتمًا عبر تفاهمات دولية، فهل أنتم مستعدون للحوار مع مختلف الأطراف، بما فيها النظام أو قوى الأمر الواقع، برعاية أو ضغط من قوى مثل تركيا أو إيران أو حتى في ظل معادلات تفرضها إسرائيل؟ وأين تضعون الخطوط الحمراء في مثل هذا السيناريو؟
الإجابة 7.
إننا نميز بوضوح بين “التمثيل السياسي” و“سلطة الأمر الواقع”.
لا يمكن اعتبار سلطة الأمر الواقع بديلاً عن الدولة أو طرفًا شرعيًا مكتمل الأهلية السياسية، بل هي ترتيبات أمر واقع نشأت في سياق أمني وعسكري استثنائي، وتحتاج إلى إعادة تهيئتها ضمن إطار وطني جامع، لا تكريسها كبديل دائم عن مؤسسات الدولة.
نحن لا نرفض التفاوض، بل نرفض أن يكون التفاوض على حساب جوهر الدولة السورية و مشروع السلام الإبراهيمي “الحركة الإبراهيمية ” . هدفنا ليس إدارة الأزمة، بل إنهاؤها عبر انتقال سياسي حقيقي يعيد الاعتبار للدولة والمواطنة، ويضع حدًا نهائيًا لمنطق الأمر الواقع، أياً كان مصدره أو غطاؤه.
نحن نؤمن أن أي حوار يجب أن يتم تحت مظلة واضحة تضمن وحدة سورية، وسيادة القرار الوطني، ومرجعية الحل السياسي وفق الشرعية الدولية.
أخيرًا كلمة أخيرة سيدي الرئيس:
نحن لا ننظر إلى مستقبل سورية بوصفه امتدادًا لمرحلة أمر واقع، أياً كان شكلها أو قواها، بل بوصفه لحظة استعادة وطنية شاملة تعيد تعريف الدولة السورية من جذورها.
ما بعد هذه المرحلة لن يُبنى على منطق الغلبة أو النفوذ أو المناطق المتنازعة، بل على منطق الدولة الجامعة وتنهي حالة التشظي السياسي والعسكري والولاءات الخارجية.
سورية التي نؤمن بها هي سورية التي تتجاوز منطق الصراع المفتوح إلى منطق الاستقرار والسلام المستدام، تقوم على المواطنة المتساوية لا الانتماءات الضيقة، وعلى القانون لا الاستثناء.
وفي هذا السياق، نرى أن استقرار سورية والمنطقة لا ينفصل عن رؤية أوسع للسلام الإقليمي وضرورة تشكيل ناتو عربي _إسرائيلي من أجل شرق أوسط صحيح ، يقوم على الانفتاح المدروس، وإعادة دمج سورية في محيطها الطبيعي، بما في ذلك الانخراط في مسارات السلام الإبراهيمي بما يضمن إنهاء عقود من الصراع، وفتح أفق جديد والاعتراف المتبادل، والتعايش بين شعوب المنطقة.
هذه هي سورية التي نعمل من أجلها: دولة تنهي الحرب بالسياسة، وتغلق أبواب الاستنزاف، وتفتح أبواب الاستقرار، ضمن رؤية سلام أوسع تحفظ الحقوق وتبني المستقبل، بدل أن تعيد إنتاج الماضي.
نتوجّه بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى المملكة المغربية، ملكا وحكومةً وشعبًا، على ما أبدوه من مواقف نبيلة وروح تضامن أصيلة تعكس عمق القيم الإنسانية والتاريخية التي تجمع شعوبنا.
ونعبّر عن تقديرنا العميق للشعب المغربي الشقيق، الذي لطالما جسّد معنى الأخوّة الحقيقية، ووقف إلى جانب القضايا العادلة بوعيٍ وإنسانية.
ولا يفوتنا أن نحيّي الأسرة الإعلامية المغربية، من صحافةٍ حرة ومسؤولة، وكذلك القرّاء والمثقفين والمثقفات، الذين أسهموا في إغناء النقاش العام، ونقل الصورة بموضوعية، وتعزيز جسور الفهم والتقارب.
لكم جميعًا، من القلب، كل الشكر والتقدير.

اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


