عزيز اليوبي
لم تعد القضية مجرد نزاع حول منزل هنا أو إشعار بالإفراغ هناك، بل تحولت إلى فضيحة مدوية تهز مدينة بوجدور وتضع علامات استفهام ثقيلة حول مصير أملاك الدولة، وهيبة القانون، وحماية المواطنين البسطاء من شبكات الاتجار غير المشروع.
مواطنة صحراوية، فاعلة جمعوية معروفة بسجلها النضالي وخدمتها للمجتمع، دفعت ما يقارب 12 مليون سنتيم من عرق جبينها عبر سنوات، فقط لتحصل على “مفتاح” منزل ظنت أنه سيؤويها وأطفالها ويمنحهم الحد الأدنى من الاستقرار. لكنها لم تكن تعلم أنها كانت تشتري وهماً… وأن خلف الباب الذي فتحته بمفتاحها كان ينتظرها قرار إفراغ بالقوة العمومية.
الأخطر في الملف ليس حالة واحدة، بل ما تكشف عنه المعطيات من وجود سوق سوداء حقيقية لبيع “مفاتيح” منازل الدولة. أزيد من 90 منزلاً — بحسب ما يتم تداوله محلياً — جرى تفويتها بنفس الطريقة، في تحدٍ صارخ للقانون، وفي ظل صمت إداري يثير الريبة.
كيف يمكن لمساكن شُيدت أصلاً في عهد الحسن الثاني لإيواء موظفي الدولة والضيوف الرسميين، أن تتحول إلى سلعة تُباع وتُشترى كأنها ملك خاص؟
وأين كانت أجهزة المراقبة طوال سنوات؟
ومن سمح بتحويل مفاتيح مرافق عمومية إلى مصدر اغتناء غير مشروع؟
الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن غالبية من اشتروا هذه “المفاتيح” ليسوا مجرمين ولا سماسرة، بل مواطنون بسطاء، دفعهم الفقر وأزمة السكن إلى البحث عن أي فرصة للاستقرار.
إنهم ضحايا منظومة كاملة من التسيب الإداري، واللامبالاة الرقابية، والاستغلال البشع لحاجة الناس إلى سقف يحميهم.
فأي عدالة هذه التي تُفرغ الضعيف من بيته، بينما لا يُسائل من باع ما لا يملك؟
وأي دولة حق وقانون يمكن أن تقبل بمعاقبة الضحية وترك المتسببين الحقيقيين خارج دائرة المحاسبة.
هذه القضية لم تعد اجتماعية فقط… بل أصبحت اختباراً صريحاً لمدى تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
المطلوب اليوم ليس مجرد إفراغ منزل أو تنفيذ حكم قضائي، بل فتح تحقيق شامل يكشف:
من يقف وراء تفويت مفاتيح أملاك الدولة؟
كيف استمرت هذه الشبكة لسنوات دون تدخل؟
من استفاد مالياً من هذه العمليات؟
لأن الصمت في هذه الحالة لم يعد حياداً… بل يُفهم كتواطؤ.
قضية هذه المواطنة الصحراوية ليست مجرد قصة إنسانية، بل هي جرس إنذار مدوٍ:
حين تتحول أملاك الدولة إلى غنائم،
وحين يصبح الفقراء فريسة لسماسرة النفوذ،
فإن الخطر لا يهدد أسراً فقط… بل يهدد الثقة في المؤسسات نفسها.
اليوم، الرأي العام لا ينتظر بيانات باردة أو مسكنات إدارية، بل يريد حقيقة كاملة ومحاسبة حقيقية، تعيد الاعتبار للضحايا، وتضع حداً نهائياً لما أصبح يُعرف محلياً بـ “مافيا مفاتيح منازل الدولة”.
لأن أخطر ما في هذه القضية ليس بيع المنازل…
بل بيع الثقة.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



