في خضم التحولات التي يعرفها ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب، عاد النقاش بقوة حول مستقبل “الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع” بعد التوجه نحو تحويلها إلى شركات جهوية تتولى تدبير وإنجاز المشاريع الكبرى، في خطوة اعتبرها البعض إصلاحاً ضرورياً لتسريع التنمية، بينما يراها منتخبون وسياسيون سحباً تدريجياً لاختصاصاتهم وتقوية غير مسبوقة لسلطة وزارة الداخلية والولاة.
فما الذي يجري فعلاً داخل الجماعات والجهات؟ وهل نحن أمام إعادة رسم لخريطة السلطة الترابية بالمغرب؟
من الوكالة الجهوية إلى الشركة الجهوية
القانون التنظيمي 111.14 المتعلق بالجهات نص في المادة 128 على إحداث “الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع”، باعتبارها مؤسسة عمومية جهوية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وتخضع لوصاية الجهة.
وكان الهدف المعلن من هذه الوكالات هو:
مساعدة مجالس الجهات على تنزيل المشاريع الكبرى.
توفير الخبرة التقنية والهندسة المالية.
تسريع إخراج المشاريع التنموية.
تجاوز ضعف الكفاءات الإدارية داخل بعض الجماعات والجهات.
لكن النقاش اليوم انتقل إلى مستوى آخر، بعد شروع وزارة الداخلية في الدفع نحو تحويل هذه الوكالات إلى شركات مساهمة جهوية، يعين الولاة مديريها، وهو ما خلق توتراً سياسياً داخل البرلمان والأحزاب.
لماذا تتحرك وزارة الداخلية؟
وزارة الداخلية تبرر هذا التوجه بعدة اعتبارات:
1. بطء تنزيل المشاريع
عدد كبير من المشاريع الجهوية عرف تأخراً كبيراً في الإنجاز بسبب ضعف التتبع أو التعقيدات السياسية داخل المجالس المنتخبة.
2. اختلالات التدبير
تقارير رقابية وملاحظات من المجالس الجهوية للحسابات رصدت مشاكل مرتبطة بالصفقات والتدبير المالي وبعض مظاهر تضارب المصالح.
3. ضعف الكفاءة التقنية
دراسات أكاديمية حول الوكالات الجهوية أكدت وجود صعوبات مرتبطة بضعف الخبرة التقنية والهندسة المالية لدى عدد من المنتخبين.
4. الرغبة في مركزية القرار التنموي
الداخلية تسعى إلى خلق نموذج تدبير قريب من منطق المقاولة العمومية، بعيد عن الحسابات الانتخابية والصراعات الحزبية.
لماذا يرفض السياسيون هذا التوجه؟
عدد من رؤساء الجهات والجماعات يعتبرون أن ما يقع هو “تفريغ” لمبدأ الجهوية المتقدمة من محتواه الحقيقي.
فالجهة حسب الدستور والقانون التنظيمي تتمتع بالتدبير الحر وتمارس اختصاصاتها بشكل ديمقراطي.
لكن مع توسع تدخل الولاة والعمال في:
التأشير على الميزانيات،
مراقبة الصفقات،
تدبير الشركات الجهوية،
تتبع المشاريع الكبرى،
أصبح المنتخب، حسب منتقدي هذا التوجه، مجرد واجهة سياسية بدون سلطة تنفيذية حقيقية.
ولهذا ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة انتقادات قوية داخل البرلمان تتحدث عن:
“سحب صلاحيات المنتخبين”،
“تقوية سلطة الإدارة الترابية”،
“عودة الوصاية المقنعة”،
“إضعاف الديمقراطية المحلية”.
اختصاصات الشركات والوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع
هذه المؤسسات تتولى عملياً:
إنجاز البنيات التحتية.
تدبير الصفقات العمومية.
تتبع الدراسات التقنية.
الإشراف على الأوراش الكبرى.
مواكبة برامج التنمية الجهوية.
تقديم الخبرة القانونية والهندسة المالية للمجالس المنتخبة.
كما أصبحت فاعلاً محورياً في تدبير مليارات الدراهم من الاستثمارات العمومية.
سحب الثقة من المنتخبين… السلاح السياسي والقانوني
في خضم هذا الصراع، عاد النقاش حول “سحب الثقة” من رؤساء الجماعات والجهات.
عملياً، وزارة الداخلية لا تسقط المنتخبين بشكل مباشر سياسياً، لكن القانون يمنحها أدوات قوية عبر:
القضاء الإداري،
الرقابة المالية،
المفتشية العامة للإدارة الترابية،
المجالس الجهوية للحسابات.
حالات العزل أو التوقيف
يمكن توقيف أو عزل رئيس جماعة أو جهة في حالات:
الاختلالات المالية الجسيمة،
خرق القانون التنظيمي،
الامتناع عن تنفيذ الأحكام،
تضارب المصالح،
الإضرار بالمرفق العام.
ويتم ذلك غالباً عبر القضاء الإداري بطلب من وزارة الداخلية أو الوالي أو العامل.
سحب الثقة سياسياً
أما داخل المجالس المنتخبة، فيمكن إسقاط الرئيس عبر:
تقديم ملتمس ضد الرئيس،
فقدان الأغلبية،
إعادة تشكيل التحالفات السياسية.
لكن الواقع السياسي المغربي يُظهر أن وزارة الداخلية تبقى لاعباً أساسياً في توازنات المجالس الترابية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
هل انتهى زمن “المنتخب القوي”؟
التحولات الحالية تكشف بوضوح أن الدولة المغربية تتجه نحو نموذج جديد:
المنتخب يقرر سياسياً،
لكن الإدارة الترابية والمؤسسات التقنية تنفذ وتراقب.
وهو نموذج يعتبره البعض أكثر نجاعة وفعالية، بينما يراه آخرون تهديداً لمسار الديمقراطية المحلية.
فالرهان الحقيقي اليوم لم يعد فقط من يربح الانتخابات، بل من يملك سلطة التنفيذ والميزانية والتوقيع النهائي على المشاريع.
وفي المغرب، يبدو أن وزارة الداخلية ما تزال تمسك بالخيوط الأساسية في تدبير المجال الترابي، مهما توسعت صلاحيات المنتخبين نظرياً.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

