تمارة – بقلم: عبد المغيث لمعمري
في اللحظات التي تشتد فيها الأزمات، وتضيق السبل بالأب الكادح وهو ينظر إلى عيون أطفاله المنتظرة، لا يبقى في الذاكرة سوى “المواقف” واليوم، لم يجد عمال النظافة بمدينة تمارة من لغة تعبّر عما يختلج في صدورهم سوى لغة القلب، وهم يوجهون رسالة مفعمة بالحب والامتنان إلى السيد عامل عمالة الصخيرات-تمارة، لم تكن
مجرد رسالة شكر بروتوكولية، بل كانت “زفرة ارتياح” لرجال قضوا الليالي في صراع مع القلق، قبل أن يجدوا في شخص العامل سدا منيعا يحميهم من رياح الضياع.
حينما تمسح يد المسؤول دمعة “عامل النظافة” تحدث العمال في
رسالتهم بلهجة يملؤها الشجن والاعتزاز، مستحضرين تلك الأيام العجاف التي توقفت فيها الأجور وضاق فيها الحال إبان فترة تدبير شركة “أوزون”، يتذكرون كيف كان السيد العامل حاضرا ليس كمسؤول خلف مكتبه، بل كأب يحمل همّ رعيته، حين اتخذ قراره “التاريخي” والجريء بصرف مستحقاتهم بعيدا عن تعقيدات الشركة، في خطوة جعلت من تمارة نموذجا وطنيا يحتذى به في إعلاء كرامة الإنسان فوق كل اعتبار مادي.
لقد كان تدخله بمثابة “طوق نجاة” لمئات الأسر التي كانت مهددة في لقمة عيشها، ليعيد الهدوء إلى البيوت التي زارها الخوف طويلا،
رسالة العمال، المنضوين تحت لواء الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، حملت بين طياتها اعترافا بجميل “باشا المدينة” وشركاء المسار من مسؤولي شركة “أرما” (سارة برحال وعادل كيسي) والمدير الإقليمي للشغل والخازن الإقليمي، الذين شكلوا معا سيمفونية إنصاف عزفت ألحان الأمان الوظيفي.
لكن الكلمات الأقوى كانت تلك التي وصفت العامل بـ “الحصن المنيع”. ففي زمن الغلاء وقسوة الظروف، لم يجد هؤلاء العمال “مهندسو الجمال في شوارعنا” سوى بابه مفتوحا وقلبه منصتا، وهو ما جعلهم يجددون العهد على مواصلة العطاء وتطهير شوارع المدينة بكل تفان، كعربون محبة لهذا المسؤول الذي آمن بهم حين خذلهم الآخرون.
أمان معلقة على حبال الأمل
ورغم فيض المشاعر، لم تخلُ الرسالة من نبرة “عتاب المحب” وطموح الكادحين، حيث بسطوا أمام السيد العامل مطالبهم في تصحيح بعض الاخطاء التي وردت في الدفتر التحملات وهي الصفة المهنية لبعض المستخدمين وتحسين الوضعية المادية للسائقين والأطر، ومراجعة الأجور بما يضمن لهم حياة كريمة في ظل غلاء المعيشة، وكلهم ثقة بأن من أنصفهم في “موقعة الأجور” لن يتخلى عنهم في مسيرة تجويد حياتهم الاجتماعية.
ختاما
إن ما حدث في تمارة ليس مجرد تدبير إداري لملف نظافة، بل هو درس في الإنسانية؛ درس يقول إن المسؤولية ليست كرسيا، بل هي قدرة على أن تكون “سندا” للضعيف و”صوتا” لمن لا صوت له.
اليوم، يرفع عمال النظافة بتمارة قبعاتهم إجلالا، لا خوفا من سلطة، بل حبا في رجل منحهم أغلى ما يملكه العامل الإحساس بالكرامة.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


