سطات… مدينة تخنق بصمت: حين تتحول الإدارة إلى عدو للاستثمار وتشريد جماعي للأسر

ناشر الموقعمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
سطات… مدينة تخنق بصمت: حين تتحول الإدارة إلى عدو للاستثمار وتشريد جماعي للأسر

 

زكية شفيق

 

 

لم تعد مدينة سطات تعاني فقط من بطالة عادية أو ركود اقتصادي ظرفي، بل أصبحت تعيش على وقع اختناق حقيقي يهدد كيانها الاجتماعي والاقتصادي. فكل المؤشرات اليوم تؤكد أن هناك أزمة عميقة، عنوانها الأبرز: هروب الاستثمار، وإغلاق المصانع، وغياب إرادة حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

آخر فصول هذه المأساة كان إغلاق مصنع النسيج الإسباني “SETTAVEX”، الذي لم يكن مجرد وحدة إنتاجية عادية، بل كان مصدر رزق لأزيد من 500 عامل وعاملة، إضافة إلى عشرات المناصب غير المباشرة، وهو ما وضع مئات الأسر في مواجهة البطالة والتشرد بشكل مفاجئ

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل هذا الإغلاق حادث معزول؟ أم نتيجة منطقية لسياسة محلية فاشلة؟

 

الحقيقة الصادمة أن ما يقع في سطات ليس قدرا اقتصاديا، بل نتيجة مباشرة لتدبير إداري مرتبك، بل ومنفر للاستثمار. فالتقارير النقابية تتحدث بوضوح عن غياب تام للتواصل المؤسساتي، وإغلاق أبواب الحوار، واعتماد مقاربات زجرية بدل تحفيزية، وكأن المستثمر أصبح خصما يجب معاقبته لا شريكا في التنمية

 

أي منطق هذا الذي يدفع شركات إلى الفرار نحو أقاليم أخرى فقط لأنها توفر الحد الأدنى من “الاحترام الإداري”؟

وأي عبث هذا الذي يجعل المساطر الإدارية في سطات عائقا بدل أن تكون جسرا للتنمية؟

إن ما يحدث اليوم هو نوع من “التهجير الاقتصادي المقنع”، حيث يتم الضغط على المقاولات بشكل غير مباشر: تعقيد في الإجراءات، تضييق غير مبرر، غياب حلول، ثم في النهاية… الإغلاق. والضحية دائما هو العامل البسيط الذي يجد نفسه فجأة في الشارع، بلا دخل ولا أفق.

الأخطر من ذلك، أن هذا النزيف الصناعي لا يقابله أي بديل حقيقي. بل على العكس، يتم الترويج لصورة وردية عبر خطاب دعائي بعيد كل البعد عن الواقع، في وقت تغلق فيه الوحدات الصناعية أبوابها واحدة تلو الأخرى، ويغادر شباب المدينة بحثا عن لقمة العيش في مدن أخرى.

 

إننا أمام مشهد عبثي بكل المقاييس:

مدينة فلاحية، موقع استراتيجي، قرب من الدار البيضاء… ومع ذلك تفشل في الحفاظ حتى على نسيجها الصناعي الهش.

فهل المطلوب هو إفراغ سطات من فرص الشغل؟

هل هناك إرادة خفية لدفع الاستثمار نحو مناطق أخرى؟

أم أن الأمر ببساطة نتيجة “تقصير إداري مزمن” يدفع ثمنه المواطن وحده؟

الوضع لم يعد يحتمل الصمت أو التبرير. لأن استمرار هذا النزيف يعني شيئا واحدا:

تحويل سطات إلى مدينة طاردة للحياة، لا فقط للاستثمار.

إن إنقاذ ما تبقى من هذه المدينة يمر عبر قرار شجاع:

إما إصلاح جذري لمنظومة التدبير المحلي، أو الاستعداد لموجة اجتماعية قد تكون عواقبها أخطر بكثير مما يتخيله المسؤولون.

فحين يغلق المصنع… لا تغلق أبوابه فقط، بل تُغلق معه أبواب الأمل


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الاخبار العاجلة

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading