حين تعود الهزيمة محمّلة بذاكرة الطرد… حنان البويحياوي الإدريسي وصوت المجبَرين

abdelaaziz6ساعتين agoLast Update :
حين تعود الهزيمة محمّلة بذاكرة الطرد… حنان البويحياوي الإدريسي وصوت المجبَرين

محمد اكن يكتب 

 

ليست كلّ الهزائم رياضية، وليست كلّ العودة نهاية مباراة.

أحيانًا، تكون العودة مرآةً للتاريخ، وتكون الهزيمة مناسبة نادرة لكي يخرج الألم من صمته الطويل.

عودة المنتخب الجزائري ومشجعيه من كأس إفريقيا للأمم، بعد خروجٍ مخيّب، بدت في ظاهرها مشهدًا رياضيًا مألوفًا: وجوه متعبة، أعلام مطويّة، وصمت يسبق أي خطاب رسمي. لكن لمن يحمل ذاكرة هذه المنطقة، لم تكن العودة عادية. كانت لحظة رمزية ثقيلة، أيقظت جرحًا لم يندمل، وذاكرة لم تُنصف. في تلك اللحظة، حضرت حنان البويحياوي الإدريسي في الوعي الجمعي لا كشخص، بل كضمير. كأن رحلتنا معها في عودة المجبَرين وجدت فجأة صورتها المجازية أمام أعيننا. فحنان لم تكن تنظر إلى العودة كحركة جسد، بل كسؤال أخلاقي:من يعود؟ ولماذا؟ وبأي كرامة؟

حنان علّمتنا أن هناك عودة يختارها الإنسان، وعودة تُفرض عليه، وعودة ثالثة أكثر قسوة: عودة بلا اعتراف، بلا اعتذار، وبلا عدالة. وهذا بالضبط ما عاشه عشرات الآلاف من المغاربة الذين طُردوا من الجزائر في سبعينيات القرن الماضي. لم يعودوا لأنهم أرادوا، بل لأنهم أُجبروا. ولم يحملوا معهم سوى ما سمح به الخوف والعجلة والإهانة.بيوت أُغلقت في وجوه أصحابها.أسر فُصلت بين ليلة وضحاها.أطفال كبروا وهم لا يفهمون لماذا تحوّلوا فجأة إلى غرباء.تلك لم تكن مجرد حادثة سياسية عابرة، بل جريمة أخلاقية لم يُفتح لها ملف عدالة حقيقي إلى اليوم. حنان كانت ترى أن أخطر ما في تلك المأساة لم يكن الطرد نفسه، بل ما تلاه: صمت الدولة، وصمت التاريخ، وصمت “الأخوة” التي سقطت عند أول امتحان سياسي. كانت تقول إن المجبَرين لا يطلبون الانتقام، بل الاعتراف. لا يبحثون عن تصفية حساب، بل عن استعادة كرامة. من هذا المنظور، بدت عودة المنتخب الجزائري ومشجعيه رغم اختلاف السياق كأنها تلامس جرحًا قديمًا. لا شماتة هنا، ولا تشفي. فالهزيمة ليست عقابًا، ولا كرة القدم ميزان عدالة. لكن الرمزية موجعة: كيف يشعر الإنسان حين يعود مثقلاً بالخيبة؟ حين يبحث عن معنى لما حدث؟ حين يصطدم بالصمت؟ الفارق شاسع، نعم. الجزائريون عادوا إلى وطنهم. والمغاربة آنذاك طُردوا من وطنٍ ظنّوه وطنًا.

لكن الذاكرة لا تعمل بمنطق المقارنة الرقمية، بل بمنطق الإحساس. وحين تُترك المآسي دون مساءلة، فإنها تعود في صور رمزية، أقل حدّة ربما، لكنها كافية لإيقاظ الوجع.

حنان البويحياوي الإدريسي لم تكن يومًا ضد شعب، ولا أسيرة خطاب عدائي. كانت واضحة في فصلها بين الشعوب والأنظمة. لكنها كانت أكثر وضوحًا في موقفها من الظلم: لا يسقط بالتقادم، ولا يُمحى بالصمت، ولا يُغتفر دون اعتراف.

كانت تؤمن أن( بلاد الشرفاء ) لا تُعرَّف بالشعارات ولا بالانتصارات، بل بقدرتها على حماية الإنسان وكرامته، أينما كان، ومهما كانت الظروف السياسية. وكانت ترى أن الشرف الحقيقي لا يكتمل إلا حين نعترف بآلام الآخرين كما نعترف بآلامنا، لا حين نطالب بنسيانها. هذا المقال ليس عن كرةالقدم، ولا عن منتخب خسر مباراة، ولا عن شعب ضد شعب. إنه مقال عن الذاكرة حين تعود لتطالب بحقها.

عن المجبَرين الذين لم يُسمَع صوتهم. وعن امرأة اسمها حنان البويحياوي الإدريسي، جعلتنا نفهم أن العدالة المؤجلة ليست حيادًا، بل استمرارًا للألم. نكتبه احياء الذاكرة ولو بألمٍ صادق، لا بحقد. وبحزنٍ واعٍ، لا بعداء. نكتبه لأن بعض الجراح لا تُشفى بالنسيان، ولأن حنان علّمتنا أن الصمت أمام الظلم… موقف.

هذا المقال تكريم لها، ولكل من آمن أن الذاكرة مسؤولية،

وأن عودة المجبَرين ليست قصة ماضٍ، بل امتحان .


اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

Breaking News

اكتشاف المزيد من النهار نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading