بقلم:محمد اكن
حين يهبط البرد من قمم الجبال، لا يطرق الأبواب وحده، بل يصحبه القلق، ويوقظ هشاشة العيش في القرى النائية حيث يصبح الشتاء امتحانًا قاسيًا للكرامة قبل الجسد. هناك، في أعالي إقليم بولمان، لا تُقاس قسوة الفصل بدرجات الحرارة فقط، بل بمدى شعور الإنسان بأنه غير منسيّ، وبأن الوطن يتذكر أبناءه حين تشتد الحاجة.
في هذا السياق الإنساني العميق، جاءت المبادرة الملكية السامية، بتعليمات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، لتؤكد مرة أخرى أن الرعاية ليست شعارًا، بل ممارسة ميدانية تصل إلى حيث يسكن الصمت. وبتفعيل توجيهات لجنة اليقظة الإقليمية التي يترأسها السيد عامل إقليم بولمان، تحرّكت السلطة المحلية لقيادة القصابي، بتنسيق مسؤول مع المصالح الأمنية، لتوزيع مساعدات غذائية وأغطية على ساكنة دواوير عياط وبوسلام التابعة لجماعة القصابي ملوية، في إطار التخفيف من آثار موجة البرد القارس.
غير أن هذه المبادرة تتجاوز معناها الإغاثي المباشر. فهي ليست مجرد مواد تُسلَّم، بل رسالة ثقة تمتد من أعلى هرم الدولة إلى أبعد بيت طيني في الجبل. رسالة تقول إن الإنسان يظل في صلب الاهتمام، وإن الجغرافيا الوعرة لا تعني التهميش، وإن البعد لا يلغي الحق في العناية والحماية.
في لحظات كهذه، يتجلّى معنى الدولة الاجتماعية، حين تتكامل الأدوار بين المؤسسات، ويغدو القرار المركزي فعلًا محليًا نابضًا بالمسؤولية. فالسلطة المحلية، حين تتحرك، لا تنفذ إجراءً إداريًا فقط، بل تجسّد روح الالتزام، والمصالح الأمنية، حين تواكب، لا تحرس العملية فحسب، بل تحرس كرامة الناس وسلامتهم. هكذا تُبنى الثقة، وهكذا يتحول التضامن من مفهومٍ مجرّد إلى أثر ملموس.
وليس غريبًا أن تستحسن الساكنة هذه الالتفاتة المولوية، فقد لمست فيها أكثر من دفء الأغطية وضرورات الغذاء. لمست فيها حضور الدولة في لحظة صعبة، ويد الوطن حين تمتد بصمت، دون استعراض، ودون انتظار مقابل. ففي مثل هذه المبادرات، يشعر المواطن بأن الانتماء ليس شعارًا يُردَّد، بل علاقة متبادلة، أساسها الرعاية والوفاء.
إن النموذج المغربي، كما تعكسه هذه المبادرة، يبرهن أن السياسة حين تُصغي للإنسان تصبح رحيمة، وأن الشرعية حين تُترجم إلى فعل اجتماعي تكتسب معناها الحقيقي. فإمارة المؤمنين، في بعدها العميق، ليست سلطة رمزية، بل التزام أخلاقي بحماية الضعفاء، وصون الكرامة، والتخفيف من وطأة الظروف القاسية. 
في النهاية، يبقى البرد عابرًا، لكن أثر العناية يبقى طويلًا في الذاكرة. فحين يصل الدفء إلى البيوت، يصل معه الأمل، وحين تحضر الدولة في زمن الصقيع، يتأكد أن الوطن ليس فكرة بعيدة، بل قلبٌ يخفق حيث يوجد الإنسان.

اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


