عكس، بلاغ منظمة إزرفان – فرع أنفا، الصادر بتاريخ 30 مارس المنصرم، انزياحاً خطيراً عن روح الوطنية والوحدة التي يجتمع عليها المغاربة قاطبة، خاصة في ظرفية دقيقة ما زالت فيها مناطق الحوز تلملم جراحها بعد الزلزال المدمر الذي ضربها.
البلاغ، الذي يفترض أنه يصدر عن هيئة تدعي الدفاع عن الحقوق الثقافية والاجتماعية، استغل بشكل فج معاناة المتضررين من الزلزال لترويج خطاب يكرس التفرقة ويدعو إلى الاصطفاف الهوياتي الضيق، عوض الدفع نحو جبهة وطنية موحدة للدفاع عن قضايا جميع المواطنين دون تمييز.
تحويل معاناة آلاف الأسر المنكوبة إلى أداة للمزايدة السياسية والهوياتية لا يخدم القضية الأمازيغية ولا يناصر الحقوق المشروعة التي لطالما كانت محل إجماع وطني. كما أن بلاغ المنظمة يلمّح إلى تهميش الأمازيغ ومعاناتهم بوصفهم “السكان الأصليين”، ويُقحم قضايا سياسية من خارج الوطن، كالوضع في أزواد وليبيا والجزائر، بطريقة تتجاوز البعد الحقوقي لتكرس خطابًا انفصالياً موارباً. مثل هذا الخطاب يعاكس التوجه الذي تبنته الدولة منذ سنين، من خلال الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية، وإطلاق برامج ومبادرات لتثمين الثقافة الأمازيغية، إلى جانب مشاريع التنمية المتواصلة في مختلف ربوع الوطن.
الزج بقضية معتقلي الريف وتنسيقية زلزال الحوز في سياق واحد، والحديث عن “الاعتقال السياسي” دون التمييز بين النضال المشروع والتحريض أو خرق القانون، محاولة لتغليط الرأي العام وتقديم صورة قاتمة وغير دقيقة عن الوضع العام في البلاد. المغرب بلد التعدد والانفتاح، ولم يعد مقبولاً أن يتم تقديم الأمازيغ وكأنهم ضحية دائمة في وطنهم، أو تصويرهم ككتلة متجانسة مهمشة تواجه “نظامًا مركزيًا قمعياً”، في تجاهل تام للحقائق الميدانية والمؤسساتية.
الأخطر في هذا البلاغ، هو ما يحمله من إيحاءات تمييزية مبطنة، تزرع الشك في تماسك النسيج الوطني، وتحاول بناء شعور جماعي بالغبن على أساس عرقي أو لغوي، وهو توجه خطير يتناقض مع روح الدستور، ومع كل الجهود المبذولة لترسيخ المساواة والعدالة الاجتماعية والثقافية بين جميع المغاربة. إن احترام التعدد لا يكون بتغذية الانقسام، والدفاع عن الحقوق لا يتحقق بزرع مشاعر الضحية الجماعية، بل بالحوار، والانخراط المؤسساتي، والإيمان بأن القضايا العادلة لا تحتاج إلى خطاب التأزيم والفرقة، بل إلى توحيد الصفوف من أجل مغرب يتسع لكل أبنائه.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.