بقلم: محمد اكن
في مراكش، المدينة التي طالما شكّلت ملتقى للحضارات والثقافات والتجارة، لا تبدو الطائرات المعروضة في سماء المغرب مجرد آلات تحلّق فوق المدرجات، ولا تبدو الأجنحة الوطنية المشاركة مجرد منصات لعرض التكنولوجيا والقدرات الصناعية؛ بل تحمل هذه المشاركة الدولية أبعاداً استراتيجية واقتصادية وسياسية تستحق قراءة تتجاوز حدود المشهد التقني.
فمعرض مراكش للطيران 2026، المنعقد خلال الفترة الممتدة من 7 إلى 10 أكتوبر الجاري، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، جمع نحو 200 عارض يمثلون 27 دولة، في تظاهرة تعكس تنامي مكانة المغرب في قطاعي الطيران والصناعات الدفاعية. وقد برز في هذه الدورة حضور أمريكي وإماراتي وإسرائيلي، في مشهد يعكس اتساع شبكة الشراكات الدولية التي تحتضنها المملكة.
المغرب: الثقة الاستراتيجية ومكانة الدولة المحورية
إن أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في عدد الشركات المشاركة أو في تطور التقنيات المعروضة، بل في قدرة المغرب على استضافة فاعلين دوليين متنوعين داخل فضاء واحد، وتوفير أرضية للقاء المؤسسات والخبراء والمستثمرين وصناع القرار.
لقد رسّخ المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، موقعه شريكاً موثوقاً للعديد من القوى الدولية، مستنداً إلى علاقاته الاستراتيجية المتعددة، وموقعه الجغرافي الذي يربط إفريقيا بأوروبا والعالم العربي والأمريكتين، فضلاً عن توجهه نحو تطوير قدراته الصناعية والتكنولوجية.
ومن هذا المنطلق، فإن احتضان مراكش لهذا المعرض يبعث برسالة واضحة مفادها أن المملكة لا تريد الاكتفاء بدور السوق المستهلكة للتكنولوجيا، بل تسعى إلى تعزيز التصنيع ونقل الخبرات وتطوير الكفاءات الوطنية وإدماج الشركات المغربية في سلاسل الإنتاج العالمية.
إن الرهان الحقيقي ليس في استقبال التكنولوجيا فحسب، وإنما في تحويلها إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وإلى فرص عمل للشباب المغربي، وإلى قاعدة صناعية قادرة على الابتكار والمنافسة.
الولايات المتحدة الأمريكية: شراكة تتجاوز الحضور العسكري
يشكل الحضور الأمريكي في معرض مراكش للطيران امتداداً للشراكة الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، وهي شراكة تشمل مجالات الدفاع والأمن والتكنولوجيا والتعاون الاقتصادي.
غير أن الطموح المغربي ينبغي ألا يتوقف عند اقتناء الأنظمة المتقدمة، بل يتعين أن يمتد إلى توسيع فرص التكوين ونقل المعرفة وتشجيع الاستثمار في الصناعات المرتبطة بالطيران والفضاء والرقمنة.
فكل تعاون استراتيجي ناجح هو الذي يتيح للدول الشريكة تحقيق مصالح متبادلة، ويمنح الشباب فرصاً جديدة لاكتساب المهارات، ويعزز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق الثروة.
ومن هنا، يمكن أن يشكل المعرض مناسبة لتطوير شراكات صناعية طويلة الأمد بين الشركات الأمريكية ونظيراتها المغربية، بما يخدم التنمية ويعزز موقع المملكة ضمن المنظومة الصناعية الدولية.

الإمارات العربية المتحدة: الحضور الاقتصادي والرؤية المستقبلية
أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد سجلت حضوراً بارزاً من خلال جناح وطني شاركت فيه مؤسسات وشركات متخصصة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والصناعات المتقدمة. وقد عكس هذا الحضور اهتماماً بتوسيع الشراكات الدولية وفتح آفاق جديدة أمام المؤسسات الإماراتية.
وتحمل المشاركة الإماراتية أهمية تتجاوز العرض التقني، بالنظر إلى ما يمكن أن تتيحه من فرص للتعاون في الاستثمار والصناعة والابتكار وتطوير الكفاءات.
ان العلاقات المغربية الإماراتية تمتلك مقومات قوية للانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً من التكامل الاقتصادي، خصوصاً من خلال تشجيع الاستثمارات المشتركة، وتطوير المشاريع الصناعية، وتبادل الخبرات في مجالات التكنولوجيا والخدمات اللوجستية.
وإذا كان المعرض يتيح عرض القدرات، فإن الفرصة الأهم تكمن في تحويل اللقاءات المهنية إلى اتفاقيات عملية ومشاريع منتجة، تعود بالنفع على البلدين وتدعم التنمية في المنطقة.
إسرائيل: مشاركة جديدة في سياق العلاقات المغربية الإسرائيلية
استقطبت المشاركة الإسرائيلية اهتماماً خاصاً في هذه الدورة، إذ افتتحت إسرائيل جناحاً وطنياً في معرض مراكش للطيران للمرة الأولى، بمشاركة شركات متخصصة في الصناعات والأنظمة الدفاعية. وقد وُصفت هذه الخطوة بأنها أول مشاركة إسرائيلية رسمية من هذا النوع في معرض دفاعي بالمغرب منذ توقيع الاتفاقات المرتبطة باستئناف العلاقات بين البلدين سنة 2020.
وتكتسب هذه المشاركة دلالتها من كونها تندرج ضمن مسار العلاقات المغربية الإسرائيلية، الذي يتيح مجالات متعددة للتعاون، بما فيها التكنولوجيا والابتكار والصناعة، في إطار المصالح الوطنية المغربية والاحترام المتبادل.
لكن من الضروري التمييز بين المشاركة في معرض دولي وبين النتائج الفعلية للتعاون؛ فالحضور وحده لا يعني بالضرورة إبرام صفقات جديدة أو تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة. وتبقى القيمة الحقيقية لأي شراكة مرتبطة بشروطها ونتائجها ومدى خدمتها للمصلحة الوطنية.
كما أن تطوير العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلاً عن الالتزام بالقضايا الإنسانية العادلة، أو عن دعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
إن المغرب، بما يمتلكه من رصيد تاريخي في التعايش بين المسلمين واليهود، وبما يضطلع به من أدوار دبلوماسية، يستطيع أن يدافع عن التعاون والحوار، دون أن يتخلى عن ثوابته ومواقفه المبدئية.
أربعة أطراف في فضاء واحد: ماذا تعني هذه الصورة؟
إن اجتماع المغرب والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل في معرض واحد لا يعني بالضرورة وجود تحالف رباعي جديد، ولا يثبت أن الدول الأربع تتبنى رؤية موحدة في جميع القضايا السياسية والاستراتيجية.
غير أن هذا الحضور المتزامن يفتح الباب أمام تساؤل مهم: كيف يمكن تحويل منصات العرض الدولية إلى فرص للتعاون المنتج، بدلاً من الاكتفاء بالرمزية السياسية للصورة المشتركة؟
الجواب يبدأ من الاقتصاد. فالتعاون في مجالات الطيران المدني، والصناعات المتقدمة، والبحث العلمي، وتكوين المهندسين والتقنيين، وتطوير سلاسل التوريد، يمكن أن يحقق نتائج ملموسة إذا ارتبط بمشاريع واضحة، وشروط شفافة، ونقل حقيقي للمعرفة، واحترام القوانين والمصالح الوطنية لكل طرف.
كما أن بناء الشراكات المستدامة يتطلب رؤية تتجاوز المصالح الآنية، لتشمل التنمية البشرية، وفرص الشباب، وتعزيز القدرات المحلية، والاستثمار في الابتكار.
وفي المقابل، تظل المسؤولية السياسية والأخلاقية حاضرة؛ فالتقدم الصناعي والتكنولوجي ينبغي أن يقترن بتعزيز الأمن والاستقرار واحترام القانون الدولي، لا أن يتحول إلى غاية منفصلة عن الإنسان وحقوقه.
من مراكش إلى المستقبل: أي مكاسب للمغرب؟
إن التحدي الحقيقي أمام المغرب ليس مجرد استقطاب كبرى الشركات العالمية إلى مراكش، بل القدرة على استثمار هذا الحضور لبناء صناعة وطنية أكثر قوة وتنافسية.
ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال توسيع فرص إدماج المقاولات المغربية في سلاسل الإنتاج، وتطوير مراكز البحث والتكوين، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الدقيقة، وربط الجامعات ومؤسسات التكوين المهني بحاجات السوق، وضمان أن تنعكس الشراكات الدولية إيجاباً على التشغيل والتنمية.
ومن المهم أيضاً ألا تبقى ثمار هذه التظاهرات محصورة في المدن الكبرى أو في الدوائر الاقتصادية المتخصصة، بل ينبغي أن تصل آثارها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الجهات والمناطق التي تحتاج إلى مزيد من فرص الاستثمار والعمل.
فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز موقعه الصناعي والدولي هو نفسه المغرب الذي يحتاج إلى تمكين شبابه، ودعم مقاولاته المحلية، وتحقيق تنمية مجالية متوازنة.
إن معرض مراكش للطيران ليس مجرد موعد دولي لعرض الطائرات والتقنيات، بل فرصة لقياس قدرة المغرب على تحويل موقعه الاستراتيجي وعلاقاته الدولية إلى مكاسب اقتصادية وصناعية ملموسة.
وحين تجتمع في فضاء واحد شركات ووفود من الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، إلى جانب المغرب وشركاء آخرين، فإن الصورة تستحق القراءة بعقلانية: لا باعتبارها إعلاناً عن تطابق سياسي شامل، ولا باعتبارها مجرد حدث تقني عابر، بل باعتبارها فرصة لاختبار إمكانات التعاون وحدوده ونتائجه.
لقد أثبتت مراكش مرة أخرى قدرتها على استضافة لقاءات دولية ذات أبعاد استراتيجية. ويبقى الرهان الأكبر أن تتحول هذه اللقاءات إلى معرفة تُنقل، واستثمارات تُنجز، وكفاءات تُطوّر، وفرص عمل تُخلق.
فمكانة الدول لا تُقاس فقط بعدد الوفود التي تستقبلها أو بأسماء الشركات التي تعرض منتجاتها على أرضها، بل بما تستطيع تحقيقه من تنمية مستدامة، وما توفره لمواطنيها من فرص، وما تسهم به في بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
مراكش تجمع العالم، لكن النجاح الحقيقي يبدأ حين تتحول اللقاءات إلى إنجازات، والشراكات إلى تنمية، والتقدم التكنولوجي إلى قيمة مضافة للإنسان والوطن.
اكتشاف المزيد من النهار نيوز
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


